الحلقة (135) باب تأكيد وجوب الزكاة

رياض الصالحين · المقطع 135 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها. قال الله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. وقال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة. وقال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. متفق عليه. وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام شهر رمضان. قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق. متفق عليه. ثائر الرأس، أي منتشر شعر الرأس. نسمع دوي صوته، أي صوت مرتفع متكرر لا يُفهم، وذلك لأنه نادى من بعيد. من فوائد الحديث: بيان لجلافة الأعراب. ينبغي على كل من بلغه الإسلام ودخل فيه أن يعرف أحكامه، ويقطع المفاوز ليتفقه في دينه وإن كان أعرابيا. الصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة. بيان فضل التطوع، وفيه إيماء أنه سياج الفريضة ويجبر نقصها، وقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على ذلك. الصوم المفروض هو صيام شهر رمضان. الحض على صيام النافلة. الزكاة من شرائع الإسلام وأركانه. المتمسك بالفرائض ناجٍ إن صدق في إيمانه واحتسابه، وإن لم يفعل النوافل. لم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادتين؛ لأنه علم أنه يعلمهما، أو أنه يسأل عن الشرائع الفعلية. لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فُرض بعد، أو أن الراوي قد اختصره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. متفق عليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. وحسابهم على الله، متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. متفق عليه. عقالًا، أي الحبل الذي يعقل به البعير. من فوائد الحديث: بيان فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، ورسوخ علمه وسعته وحزمه في أمر الله. توفيق الله لأبي بكر، وإظهار فضله بنور بصيرته وسداد رأيه. جواز القياس، حيث منع أبو بكر التفريق بين المتماثلات في الحكم. وقال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. الناس يقاتلون حتى يتحقق التوحيد لله في الأرض. بيان فضل كلمة الإخلاص، وأن من قالها وهو مؤمن بها عصم ماله ودمه ونفسه. الحاكم يحكم على الناس بظاهرهم، والله يتولى السرائر. تُقبل توبة المرتد. وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. متفق عليه. وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه. من فوائد الحديث: بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة، وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته. لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة. النصح لكل مسلم ميثاق نبوي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها. إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٌ قرقرٌ أو فَرَمَا كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٌ قرقرٌ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: الخيل ثلاثة، هي لرجل وِزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وِزر، فرجل ربطها رياءً وفخرًا ونواءً على أهل الإسلام. فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. حَقِّهَا: أَيْ زَكَاتِهَا. أَرْقَرْ: أَيْ الصَّحْرَاءُ الْمُسْتَوِيَةُ. الْفَصِيلُ: أَيْ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ. عَقْصَى: أَيْ مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ. الجلحاء التي لا قرن لها. العضباء، أي مكسورة القرن. الأضلاف للبقر والغنم، وهي بمنزلة الخف للإبل. نواء، أي معاداة. مرج، أي أرض ذات نبات ومرعى. طوالها، أي حبل طويل يُشد طرفه في نحو وتد، وطرفه الآخر في يد الفرس أو رجلها لتدور فيه وترعى من جوانبها وتذهب لوجهها. استنت، أي عدت في مرجها لتوفر نشاطها. الشرف، أي الشوق. الفاذة الجامعة، أي المنفردة في معناها، الجامعة لأنواع البر. من فوائد الحديث: وجوب إيتاء الزكاة، وأن مانعها عرض نفسه لعذاب الله؛ لأن حقها متعلق به. من ملك جنسًا من المال ومنع زكاته عُذِّب به يوم القيامة. بيان أن هذا ليس من عذاب جهنم، بل هي مقدمة للعذاب، وذلك لأنها تمر عليه حتى يُقضى بين العباد وهو منهم. مقدار اليوم في القضاء بين العباد خمسين ألف سنة. بيان ما يُكتب للعبد المحتسب خيله في سبيل الله من الأجر. بيان في حكم الحمر وما يتنزل عليه، وكل ما لم يرد به نص. وَأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. رياض الصالحين.