الحلقة (136) باب وجوب صوم رمضان

رياض الصالحين · المقطع 136 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر. الآية. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره. وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ. متفق عليه. وهذا لفظ رواية البخاري، وفي رواية له: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها. وفي رواية لمسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك. جُنَّة، أي وقاية من النار أو المعاصي. الرفث: الكلام الفاحش. الصخب: هو الخصام والصياح. خلوف: أي تغير ريح الفم. من فوائد الحديث: الله تعالى تكفل بمجازاة الصائم على صيامه، وذلك لأن الصيام عبادة بين العبد وربه، وما يتعلق فيها من إخلاص واستجابة لله ونصب وتعب لا يطلع على قدره إلا الله، فلذلك كل عمل له أجر محدود يضاعف حتى سبعمائة ضعف إلا الصوم. فَإِنَّ أَجْرَهُ بِدُونِ حِسَابٍ. الصيام وقاية من النار، ووقاية مما يؤدي إليها من الآثام، وحاجز عن ارتكاب المحرمات. الصائم يدرب نفسه ويؤدبها على الطاعة، ويعودها على تحمل الأذى ابتغاء مرضاة الله. تعليم الناس الوقوف عند حرمات الله فلا يتعداها المرء. جواز إعلام الناس بالطاعة إذا ترتب على ذلك مصلحة أو دفع مفسدة، ولذلك فقول الصائم: إني صائم، يكون بكلام مسموع لينزجر الشاتم والمقاتل. رائحة فم الصائم تظهر عند الله يوم القيامة أطيب من ريح المسك عندنا في الدنيا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. قال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة. فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانُ أَنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا تَقُومُ عَلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ. الطَّاعَاتُ مُقَسَّمَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ. مِنَ الْعِبَادِ مَنْ يُدْعَى مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ. إِثْبَاتُ فَضِيلَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الرَّيَّانُ اسْمُ عَلَمٍ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَخْتَصُّ بِدُخُولِ الصَّائِمِينَ مِنْهُ، وَقَدْ نَاسَبَ لَفْظُهُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيِّ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِحَالِ الصَّائِمِينَ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الرِّيِّ دُونَ الشَّبَعِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَكِنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الصَّائِمِ مِنَ الْجُوعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: أَفْرَدَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلصَّائِمِينَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ. إذا دخلوه أُغلق. من دخل باب الريان لا يظمأ أبداً. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً. متفق عليه. الخريف: أي السنة. من فوائد الحديث: الحث على صيام النافلة، بيان فضل صوم النافلة الذي يراد به وجه الله، من لم يضعفه الصوم عن الجهاد فإنه يصوم ليجمع بين الفضيلتين، تخصيص الخريف بالذكر لأن الخريف أزكى الفصول لكونه تُجنى فيه الثمار. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه. إيماناً واحتساباً: أي تصديقاً بفرضيته ورغبةً في ثوابه، طيبةً به نفسه، غير كاره لصيامه ولا مستثقل لقيامه ولا مستطول لأيامه. من فوائد الحديث: بيان فضل رمضان وعلو منزلته، وأنه شهر الصيام. فَمَنْ صَامَهُ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. صُفِّدَتْ: أَيْ شُدَّتْ بِالْأَصْفَادِ، وَهِيَ الْأَغْلَالُ، وَهُوَ بِمَعْنَى سُلْسِلَتْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ تُغْلَقُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي. فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَقِلُّ الشَّرُّ فِي الْأَرْضِ، بِحَيْثُ تُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ، وَتُشَدُّ مَرَدَةُ الْجِنِّ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ وَالْأَصْفَادِ، فَلَا يَخْلُصُونَ إِلَى إِفْسَادِ النَّاسِ كَمَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ. فَتْحُ أَبْوَابِ الْجِنَانِ وَإِغْلَاقُ أَبْوَابِ النِّيرَانِ وَتَصْفِيدُ مَرَدَةِ الْجَانِّ يَكُونُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. لَيْسَ لِبَاغِي الشَّرِّ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الشَّرِّ كُفَّتْ عَنْهُ أَوْ قَلَّتْ، فَلَا يُحْرَمُ الْخَيْرَ فِي شَهْرِ الْخَيْرِ إِلَّا مَحْرُومٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ. فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الصَّوْمُ يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ الْعَيْنِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصِّيَامُ بِالْحِسَابِ وَمَا شَابَهَهُ. كَذَلِكَ الْفِطْرُ يَكُونُ بِالْمُعَايَنَةِ. الْغَيْمُ إِذَا حَجَبَ الرُّؤْيَةَ لَزِمَ إِتْمَامُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. بَابُ الْجُودِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ وَالِاكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالزِّيَادَةِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الرِّيحُ الْمُرْسَلَةُ: أَيْ الرِّيحُ الْمُطْلَقَةُ الَّتِي يَدُومُ هُبُوبُهَا وَيَعُمُّ نَفْعُهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانُ جُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَعَةِ كَرَمِهِ. خاصةً في رمضان، فإنه شهر الطاعات وموسم الخيرات. جبريل عليه السلام كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، ووقت ذلك شهر رمضان، وفيه موافقة المدارسة مع وقت النزول. ينبغي على طالب العلم والعلماء تدارس العلم فيما بينهم حتى لا يُنسى ويُدرس منهم. الحث على الجود في كل وقت، وتستحب الزيادة عند الاجتماع بأهل الصلاح، وفي شهر رمضان. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. متفق عليه. باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله، أو وافق عادةً له، بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم. متفق عليه. من فوائد الحديث. النهي عن استقبال رمضان بصوم يوم قبله على نية الاحتياط لرمضان. استثناء من اعتاد صيامه فوافق ذلك الصوم يوم الشك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما. رواه الترمذي. الغياية هي السحابة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: يكره صيام النافلة بعد نصف شعبان لمن يضعفه الصوم، فإذا كان يوم الشك حرم صيامه. وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود والترمذي. رياض الصالحين.