الحلقة (142) باب فضل الجهاد (2)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجهاد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك. متفق عليه. وعن معاذ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران، وريحها كالمسك. رواه أبو داود والترمذي. فواق ناقة: هو ما بين الحلبتين من الراحة، والمراد قليل الجهاد. نكبة: أي ما يصيب الإنسان من الحوادث. من فوائد الحديث: الجهاد وأجره خاص بالأمة المسلمة دون غيرها. واسم الشهادة وشرفها لا يتشرف به غير أبناء هذه الأمة من الموحدين. المجاهد في سبيل الله ثوابه الجنة ما لم يخلط في عمله شهوات الدار الدنيا. ما يحل بالشهيد من حوادث وابتلاءات، الله تعالى يأجره عليها ولا يضيع عمله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبت، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله. من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة. رواه الترمذي. والفواق ما بين الحلبتين. من فوائد الحديث: العلم قبل العمل، ولذلك سأل هذا الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة قبل أن يعملها. المؤمن هواه تبع للشرع. أدب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث كان أحدهم لا يتخذ قرارًا ولو في خاصة نفسه حتى يعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تحوز أمته الخير وتنال البر، ويكون لها الأجر العظيم عند الله تعالى. ولذلك دل هذا الصحابي على ما فيه الأجر العظيم والخير العميم والدرجات العلا. الجهاد في سبيل الله أفضل من صلاة التطوع بدرجات. ضمن الله تعالى الجنة لمن قُتل في سبيله لا يريد إلا وجهه، ولا يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه. فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: لا تستطيعونه. ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية البخاري أن رجلًا قال: يا رسول الله، دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: لا أجده. ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ فقال: ومن يستطيع ذلك؟ القائم، أي المجتهد. القانت، أي المطيع. لا يفتر، أي لا يغفل ولا يضعف. من فوائد الحديث: تعظيم لأمر الجهاد؛ لأنه عدل جميع ما ذُكر من فضائل الأعمال. فضائل الأعمال لا تُدرك بالقياس، وإنما هي إحسان وفضل من الله تعالى لمن شاء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفة من هذه الشِّعَف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. رواه البخاري. من فوائد الحديث: بيان لفضل الجهاد في سبيل الله، بيان لعظم الجنة وما فيها من نعيم أعده الله للمجاهدين. إشارة إلى أن هذه الدرجة قد يحصلها العبد وينالها غير المجاهد، وذلك إما بالنية، وإما بالأعمال الصالحة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الجميع بأن يدعوا للدخول في الفردوس الأعلى، وهذا بعد إعلامهم أنه أعدها للمجاهدين. بيان منازل الجنة وأنها درجات، كل امرئ يأخذ مكانه فيها على قدر عمله. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة. فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة. ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله. رواه مسلم. من فوائد الحديث: محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة الخير وأبوابه وأسبابه، تعظيم لأمر الجهاد في سبيل الله. وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي رضي الله عنه وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف. فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى، أأنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. رواه مسلم. رث الهيئة: أي قديم الثياب. جفن سيفه: أي غمده. من فوائد الحديث: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبلغون العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعوه. الحث والترغيب على الجهاد في سبيل الله قولًا وعملًا. تصديق أهل الإسلام لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقلوه عنه دون جدال، وهذا يدل على قبول خبر الواحد في العقيدة والأحكام الشرعية. من أيقن دخول الجنة بوصف سارع إلى تطبيقه ولم يتردد في عمله. جواز إظهار الشجاعة والإقدام، إما بكسر جفن السيف إشارة إلى قتاله حتى الموت، أو بوضع عصابة كأبي دجانة دلالة على عدم خوفه من الموت. وعن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار. رواه البخاري. من فوائد الحديث: من علق الغبار على قدميه في سبيل الله لم تمسه النار. إشارة إلى عظيم قدر الجهاد في سبيل الله، فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن بذل جهده واستنفد وسعه؟ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم. رَوَاهُ الترمذي. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رَوَاهُ الترمذي. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: فَضْلُ الْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِحِمَايَةِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ الْعَدُوِّ الْمُتَرَبِّصِ بِالْمُسْلِمِينَ. فَضْلُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنِيحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رَوَاهُ الترمذي. الْفُسْطَاطُ: بَيْتٌ مِنَ الشَّعَرِ. الطَّرُوقَةُ: النَّاقَةُ الَّتِي بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: وُجُوبُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَجْهِيزِ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. لتكون كلمة الله هي العليا. أفضل الصدقات وأعظم القربات وأجل الطاعات ما كان في سبيل الله؛ لأنه نفع متعدٍ إلى المجتمع المسلم بأسره. وعن أنس رضي الله عنه أن فتىً من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به. قال: ائت فلانًا، فإنه قد تجهز فمرض. فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به. قال: يا فلانة، أعطيه الذي كنت تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فوالله لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه. رواه مسلم. رياض الصالحين.