الحلقة (145) باب فضل الجهاد (5)

رياض الصالحين · المقطع 145 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجهاد. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر ينتضلون، فقال: ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً. رواه البخاري. ينتضلون: أي يترامون بالسهام للسبق. من فوائد الحديث: الجد الأعلى يسمى أبا، فقد نسبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسماعيل عليه الصلاة والسلام. التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله، وتطييب قلوب من هم دونه. حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفته بأمور الحرب. استحباب اتباع خصال الآباء المحمودة، والعمل بمثلها. حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم. الإمام العادل يرعى أمته، ويحضها على تعلم ما ينفعها، ويشجعها على تعلم فنون الحرب للدفاع عن دينها. وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. من رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل محررة. رواه أبو داود والترمذي. عدل، أي مثل. محررة، أي رقبة معتقة. من فوائد الحديث: حث المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وتعظيم لأمر الجهاد والمجاهدين. وعن أبي يحيى، خريم بن فاتك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفق نفقة في سبيل الله، كتب له سبعمائة ضعف. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف. وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً. متفق عليه. وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام يوماً في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: حمل بعض أهل العلم هذا الحديث وغيره على الصوم في ساحات القتال. وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّ الصَّوْمَ عَلَى أَيِّ حَالٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ. الصَّوْمُ فِي سَاحَاتِ الْجِهَادِ إِذَا كَانَ يُؤَثِّرُ عَلَى قُوَّةِ الْجُنُودِ وَنَشَاطِهِمْ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: حَثُّ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ وَعَدَمِ تَعَوُّدِ الْجُبْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ. تَحْدِيثُ النَّفْسِ بِالْغَزْوِ بِصِدْقٍ يَرْفَعُ الْعَبْدَ إِلَى مَقَامِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْجِهَادِ إِشْغَالُ الْفِكْرِ وَالنَّفْسِ فِيهِ. مَنْ لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْجِهَادِ وَلَمْ يُجَاهِدْ كَانَ فِيهِ خِصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ. وعن أبي موسى رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه. وفي رواية: يقاتل شجاعةً ويقاتل حميةً، وفي رواية: ويقاتل غضبًا، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر. هذا الحديث موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة في قولهم: منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها، أي يجتنيها. أعلى درجات الجهاد من خرج ولم يرجع. وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله عز وجل. رواه أبو داود. السياحة مفارقة الوطن والذهاب في الأرض. من فوائد الحديث: السياحة في الأرض من بدع النصارى كالرهبانية. سياحة هذه الأمة هي المرابطة على الثغور للذب عن حمى الإسلام وحفظ بيضة المسلمين من الأعداء المتربصين. الإسلام يغير المفاهيم السائدة إلى عنصر بناء وفضيلة وتعاون على البر والتقوى. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قفلة كغزوة. رواه أبو داود. القفلة: الرجوع، والمراد. الرجوع من الغزو بعد فراغه، ومعناه أنه يثاب في رجوعه بعد فراغه من الغزو. من فوائد الحديث: المجاهد في سبيل الله يثاب وينال الأجر في الذهاب والإياب. وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك تلقاه الناس، فتلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع. رواه أبو داود بهذا اللفظ، ورواه البخاري قال: ذهبنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصبيان إلى ثنية الوداع. الثنية: مرتفع من الأرض، وثنية الوداع محل بالقرب من المدينة في شمالها، وسمي بذلك لأن المسافر يشيع إليها ويودع عندها. من فوائد الحديث: استحباب استقبال الغزاة عند رجوعهم من الغزو والجهاد في سبيل الله. وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة. رواه أبو داود. من فوائد الحديث. تحريم ترك الجهاد وتغليظ عقوبة ذلك. وجوب الإعداد والاستعداد للغزو والجهاد في سبيل الله. وجوب حفظ الجبهة الداخلية للمجتمع المسلم، وحماية أعراض وأهل المجاهدين في سبيل الله. المجتمع المسلم مجتمع التكافل والتعاون على البر والتقوى، لأنه كالبناء يشد بعضه بعضًا. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: مجاهدة المشركين بكل وسيلة مشروعة واجب على كل قادر. الجهاد يكون بالمال والنفس واللسان. أما في المال فبتقديمه للمجاهدين وإعانتهم على تجهيز أنفسهم لملاقاة أعداء الله. وأما بالنفس فهو خروج كل مكلف مسلم قادر على حمل السلاح غير معذور بعذر شرعي يبيح له التخلف عن ملاقاة العدو. وأما باللسان فهو بالدعاء والمدح للمجاهدين وتهييجهم والعمل على تثبيتهم. يحرم إمداد أعداء الإسلام بالمال والرجال، وكذا مدحهم والمفاخرة بهم. بل يجب ذمهم والتقليل من أمرهم، وبيان خلالهم السيئات بكل وسيلة. وعن أبي عمرو، ويقال أبو حكيم، النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح وينزل النصر. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: جواز تأخير القتال إلى آخر النهار. يستحب لقائد الجيش اختيار الأوقات المناسبة التي يكون فيها الجنود في كامل قواهم ونشاطهم، حتى يتضاعف بذلهم ويحسن إقبالهم، فإذا كانت غارة فيفضل أن تكون صباحا، وإن كانت مصاففة فبعد زوال الشمس وهبوب الرياح. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحرب خدعة. متفق عليه. خدعة، أي مخادعة الكفار. من فوائد الحديث: التحريض على أخذ الحذر في الحرب. استحباب مخادعة الكفار لأخذهم على غرة، ويكون بالتعريض وبالكمين والغارة. جواز استخدام الرأي والمشورة في الحرب، بل هو آكد من الشجاعة. رياض الصالحين.