الحلقة (146) باب بيان جماعة من الشهداء

رياض الصالحين · المقطع 146 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة، ويغسلون ويصلى عليهم، بخلاف القتيل في حرب الكفار. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله. متفق عليه. المطعون: أي الذي مات بالطاعون. المبطون: أي من مات بمرض البطن. وصاحب الهدم: الذي مات تحت الهدم. من فوائد الحديث: الشهداء قسمان: شهيد الدنيا وشهيد الآخرة. شهداء الدنيا وهم من ذُكر، وهم يُعطون في الآخرة أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكام الشهداء في الدنيا، بل يُغسلون ويُكفنون ويُصلى عليهم. شهداء الآخرة: من قُتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصاً. العدد في الحديث ليس للحصر، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر جماعة من الشهداء غير هؤلاء، منهم من وقصته فرسه، ومن لدغته هامة. والمرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها، والموت بالحرق، والموت بداء السل، ومن قتل دون مظلمته من نفس أو عرض أو مال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان سعة رحمة الله وفضله، عناية الله بهذه الأمة، فقد أعطى هؤلاء المذكورين في الأحاديث أجر الشهداء تنويهًا بخير أمة أخرجت للناس، والله يختص برحمته من يشاء. حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إعطاء مفهوم الشهادة بعدًا أعمق ومعنى آكد مما استقر في عقول الصحابة رضي الله عنهم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قُتل دون ماله فهو شهيد. متفق عليه. من فوائد الحديث: للرجل أن يدفع من أراد أخذ ماله أو شيئًا منه ظلمًا. إذا قُتل الصائل فلا قود ولا دية على القاتل؛ لأنه لو قُتل كان شهيدًا، فنفى عنه الإثم جملةً وتفصيلًا. وعن أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: جواز الدفاع عن الدين والمال والنفس والعرض. من قُتل دون واحدة منها فهو شهيد. حرص الإسلام على حفظ الضروريات الخمس، وهي الدين والعقل والنفس والعرض والمال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله. أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار. رواه مسلم. أرأيت، أي أخبرني، يريد أخذ مالي، أي بغير حق. من فوائد الحديث: الحديث دليل على أن العلم قبل العمل، حيث سأل هذا الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يجب عليه عمله قبل عمله. ينبغي التدرج في دفع الصائل بالوعظ أو الاستغاثة قبل الشروع في قتاله، فإن شرع في قتاله فليكن همه دفعه لا قتله. دم المسلم وماله وعرضه حرام. باب فضل العتق. قال الله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. حتى فرجه بفرجه. متفق عليه. من فوائد الحديث: بيان فضل العتق، عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى، بيان حرص الإسلام على عتق الرقاب المستعبدة مما تعودته العرب، ذكر الأعضاء إشارة أن تكون الرقبة تامة ليس فيها نقصان ليحصل الاستيعاب. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله. قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً. متفق عليه. باب فضل الإحسان إلى المملوك. قال الله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم. عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك. فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، أَيْ فِيكَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ، الْخَوَلُ أَيْ الْخَدَمُ وَالْحَشَمُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: يَنْبَغِي الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَمْلُوكِ وَمُرَاعَاةُ أُخُوَّتِهِ. النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرَّقِيقِ وَتَعْيِيرِهِمْ بِمَنْ وَلَدَهُمْ. وَالْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ. وَيَلْتَحِقُ فِي الرَّقِيقِ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَغَيْرِهِ. عَدَمُ التَّرَفُّعِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالِاحْتِقَارِ لَهُ. إِطْلَاقُ وَصْفِ الْأَخِ عَلَى الرَّقِيقِ. الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ أَعْلَى مِنْ أَيِّ قِيَمٍ أُخْرَى، وَذَوَبَانُ الْفَوَارِقِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ فِي بَوْتَقَةِ الْإِيمَانِ وَالتَّلَاحُمِ الْعَقَائِدِيِّ. التَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي نَقَضَهَا الْإِسْلَامُ عُرْوَةً عُرْوَةً. أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه. حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاستجابة لمراده، وتطبيق سنته على أنفسهم ومن يعولونهم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه. رواه البخاري. الأكلة هي اللقمة، علاجه أي عمله. من فوائد الحديث: الحث على التواضع وحسن الخلق، إما بالجلوس مع الخادم على الأكل والشرب، أو إعطائه من ذلك. من ولي أمر أحد من المسلمين فعليه الإحسان إليه وألا يشق عليه. الإحسان إلى المملوك أو الأجير يجعله يتقن عمله ويحب مواليه ويواليهم. باب فضل المملوك الذي يؤدي حق الله وحق مواليه. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين. متفق عليه. من فوائد الحديث: فضل المملوك الذي يؤدي حق الله وحق مواليه. نصيحة السيد تشمل أداء حقه في الخدمة والطاعة وحفظ المال، لأن العبد راعٍ في مال سيده، وهو مسؤول عن رعيته. من اتصف بذلك فله أجره مرتين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للعبد المملوك المصلح أجران، والذي نفس أبي هريرة بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك. متفق عليه. من فوائد الحديث: العبد لا جهاد عليه ولا حج في حال العبودية، وإن صح ذلك منه. الصلاح يشمل إحسان العبادة والنصح للسيد. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للمملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة أجران. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ تَعْلِيمُ أَمَتِهِ وَأَهْلِهِ، فَأَمَّا الْأَمَةُ فَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ الْأَهْلُ هُنَا بِالْقِيَاسِ، إِذِ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ. فَضْلُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَعَرَفُوا أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَآمَنُوا بِهِ وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ. الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ. مَنْ تَزَوَّجَ أَمَتَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا فَلَهُ أَجْرَانِ. رياض الصالحين.