الحلقة (147) باب فضل السماحة في البيع والشراء

رياض الصالحين · المقطع 147 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل العبادة في الهرج، وهو الاختلاط والفتن ونحوها. عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العبادة في الهرج كهجرة إلي. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ينبغي على المسلم أن يعتزل مواطن الفتن والغفلة، ولذلك فأجره كأجر المهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ناسبه من حيث أن المهاجر فر بدينه ممن يصد عنه للاعتصام بحبل الله. وكذا المنقطع للعبادة عند الفتنة واختلاط أمور الناس فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بالله ومنهجه، فهو في الحقيقة مهاجر إلى الله، ولذلك فقد وقع أجره على مولاه. الناس في الفتن ينشغلون عن الطاعات، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد، فلذلك ففضل العبادة كثير. ينبغي على الدعاة توقي الأذى، فلا يباشره ولا يستدعيه؛ لأن الفتنة مجهولة العاقبة، والمرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، فالمطلوب في الفتن سؤال الله العافية. باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وحسن القضاء والتقاضي، وإرجاح المكيال والميزان، والنهي عن التطفيف، وفضل إنظار المعسر والوضع عنه. قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. وقال تعالى: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. وقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه، فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً. ثم قال: أعطوه سناً مثل سنه. قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنه. قال: أعطوه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً. متفق عليه. يتقاضى أن يطلب منه قضاء ماله عنده، فهم به أصحابه، أي هموا أن يفعلوا به جزاء إغلاظه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أمثل من سنه، أي أعلى وأفضل. من فوائد الحديث: جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله. حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه. من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق. من أساء الأدب على الإمام كان عليه التعزير بما يقتضيه الحال إلا أن يعفو صاحب الحق. جواز استقراض الإبل ويلحق بها جميع الحيوانات. الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يعاب. للإمام أن يقترض على بيت المال لحاجة بعض المحتاجين ليوفي ذلك من مال الصدقات. جواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر. جواز التوكيل في قضاء الديون ولا يعد ذلك مطلًا. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى. رواه البخاري. سمحًا أي سهلًا. اقتضى أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف. من فوائد الحديث: الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق وترك المشاقة. الحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه. رواه مسلم. من سره أي أفرحه وأدخل على نفسه السرور. كرب أي أهوال يوم القيامة. فلينفس عن معسر أي ليؤخره إلى ميسرة أو يضع عنه، أي يعفيه من الدين بالتصدق عليه. من فوائد الحديث: فضل القرض الحسن، استحباب إنظار المعسر إلى ميسرة، وضع الدين عن المعسر أفضل، وذلك بالتصدق عليه بكل المال أو جزء منه. الجزاء من جنس العمل، فمن نفس عن مؤمن كربة من كربات الدنيا أنجاه الله من كربات يوم القيامة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: كان رجلٌ يُداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيتَ معسرًا فتجاوزْ عنه، لعلَّ اللهَ أن يتجاوزَ عنا. فلقي اللهَ فتجاوزَ عنه. متفق عليه. من فوائد الحديث: اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا لله كفَّر كثيرًا من السيئات. الأجر يحصل لمن يأمر به وإن لم يتولَّ ذلك بنفسه. شرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا في مساق المدح كان حسنًا عندنا. وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حوسب رجلٌ ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه. رواه مسلم. يخالط الناس: أي يعاملهم بالبيوع والمداينة. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتى الله تعالى بعبدٍ من عباده آتاه الله مالًا. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيْتَنِي مَالًا، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَحَقُّ بِذَاكَ مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي. فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ الْقَرْضِ الْحَسَنِ، وَمُعَامَلَةِ الْمَدِينِ بِلُطْفٍ وَلِينٍ. إِنْظَارُ الْمُعْسِرِ أَوِ الْوَضْعُ عَنْهُ بِتَخْفِيفٍ أَوْ تَصَدُّقٍ، مِنَ الْخِصَالِ الْمُوجِبَةِ لِلظِّلَالِ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَٰنِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْهُ بَعِيرًا فَوَزَنَ لَهُ فَأَرْجَحَ. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز الزيادة على الثمن عند الأداء، والرجحان في الوزن، لكن برضا المالك، ويعد هذا من السماحة المستحبة. وعن أبي صفوان سويد بن قيس رضي الله عنه قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: زن وأرجح. رواه أبو داود والترمذي. بزًّا: أي ثيابًا. من فوائد الحديث: جواز المساومة في الثمن عند الشراء، جواز اتخاذ أجير، استحباب الرجحان عند الوزن، جواز أن يطلب المشتري من البائع أن يرجح له في الوزن. رياض الصالحين.