الحلقة (148) باب فضل العلم
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب العلم. باب فضل العلم. قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا. وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ. وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. متفق عليه. من فوائد الحديث: من لم يتفقه في الدين ويتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير. بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. العلم لا يكون بالاكتساب فقط، وإنما الاكتساب وسيلة، ثم ينبغي للعبد أن يستعين بالله ليرزقه سلامة الفهم وحسن القصد. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها. متفق عليه. والمراد بالحسد: الغبطة، وهو أن يتمنى مثله. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. متفق عليه. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم. متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. رواه البخاري. من فوائد الحديث: وجوب تبليغ الدين كتابا وسنة، وأن المرء يؤدي ما حفظ وفهم ولو كان يسيرا، فإذا سارع كل عبد إلى ذلك اتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم. رفع الحرج عن المتكلم عن بني إسرائيل؛ لأن فيهم الأعاجيب، لكن لا ينبغي تصديقهم ولا تكذيبهم إلا إذا جاء ما يؤيد ذلك في شرعنا بنقل صحيح. تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق أهل العلم على عده من الكبائر، بل ذهب بعضهم إلى تكفير الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الحث على الاستعداد للموت بالأعمال الصالحة. الأعمال الصالحة التي يبقى أثرها بعد موت فاعلها يدوم ثوابها. الحض على وقف أعمال البر مثل بناء المساجد والمدارس، وحفر الآبار وغرس الأشجار، فكلها صدقة جارية. استحباب تعليم العلم وتصنيف الكتب النافعة، فهو من العلم النافع الذي يدوم أثره ويطول بقاؤه على مر الزمان. الحث على تربية الأبناء وتعليمهم الفرائض والسنن والآداب ليكونوا من الصالحين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالمًا أو متعلمًا. رَوَاهُ الترمذي. قوله: وَمَا وَالاهُ، أي طاعة الله. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع. رواه الترمذي. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: يشهد لهذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع. طالب العلم منهوم لا يشبع من العلم؛ لأن عدم الشبع منه من لوازم الإيمان وأوصاف المؤمنين. ولهذا كان أئمة الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى العلم؟ فيقول: من المحبرة إلى المقبرة. طالب العلم يطلب المزيد منه تحقيقًا لقوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا. اللذة الحاصلة من العلم والإيمان في حال متجددة دائمة، وصاحبها لا يزال طالبًا للمزيد حريصًا عليه. وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الحث على تعليم الناس الخير؛ لأنه سبب نجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم، ومن فعل ذلك جازاه الله من جنس عمله، بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل سماواته وأرضه ما يكون سببًا لنجاته وسعادته وفلاحه. معلم الناس الخير لما كان مظهرًا لدين الرب وأحكامه، ومعرفًا لهم بأسمائه وصفاته، جعل الله من صلاته وصلاة أهل سماواته وأرضه ما يكون تنويهًا به، وتشريفًا وإظهارًا للثناء عليه بين أهل السماء والأرض. العلماء الدعاة يقومون بوظيفة الأنبياء، وهي الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير، فهم ورثة الأنبياء، ولذلك فُضِّلوا على الناس كما فُضِّل الأنبياء على الناس، ولا يعني هذا تساوي المنزلتين. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع. وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: الحث على توقير طلاب العلم والتواضع لهم، والرضا عن صنيعهم، والدعاء والاستغفار لهم. فضل العلم لما يشيعه من نور يضيء للناس طرق الخير والحق. العلم أعظم ثروة وأشرفها، ينبغي لمن حازها أن يحترمها ويكرمها. كمال العلم بالعمل، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلق والسلوك. إهانة العلماء وإيذاؤهم فسوق وضلال؛ لأنهم حملة ميراث النبوة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نضر الله امرأ سمع منا شيئًا. فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. رواه الترمذي. نظر الله امرأً دعا له بالحسن، والمراد: حسن الله خلقه وقدره. من فوائد الحديث: الحث على تبليغ العلم وتعليم الناس الخير. ينبغي المحافظة على العلم دون زيادة ولا نقصان؛ لأن المؤدي مؤتمن. فهوم الناس متفاوتة، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه. دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدى من أمته حديثًا سمعه، يستلزم أن رحمة الله جل وعلا تحفظه، وأنه من الفائزين يوم القيامة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: إيجاب العقوبة يوم القيامة على كاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين. من تعلم علمًا ينبغي أن يؤدي زكاته بنشره بين الناس. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، يعني ريحها. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: ينبغي الإخلاص في طلب العلم وتعليمه. من اتخذ العلم مطية لشهوات الدنيا وزخارفها، عذبه الله يوم القيامة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. متفق عليه. قبض العلماء أي موتهم. من فوائد الحديث: موت العلماء مصيبة تحل بالأمة وثلم في الإسلام. الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة. الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم. يسود الجهلة عندما يقصر العلماء بواجبهم. الفتوى بالرأي سبيل الضلال والإضلال. الجاهل جريء على الفتوى، فهو يفتي دون علم، ولكن أهل العلم إذا سئلوا عن أمر ليس عندهم به علم قالوا لا أدري. رياض الصالحين.