الحلقة (149) باب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب حمد الله تعالى وشكره. باب فضل الحمد والشكر. قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ. وقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. وقال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وقال تعالى: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي ليلة أُسري به بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. رواه مسلم. الفطرة: الاستقامة على الدين الحق. من فوائد الحديث: إثبات للإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم. توفيق الله لنبيه صلى الله عليه وسلم باختيار ما يوافق الفطرة. بيان فضيلة اللبن على غيره من الأطعمة. بيان أن شر الشراب هو الخمر. دمار الأمم بالخمر، فإنها أم الخبائث. استحباب حمد الله تعالى إذا حصلت للعبد نعمة ظاهرة أو باطنة، أو صرف عنه سوء، فالحمد لله في الأولى والآخرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع. رواه أبو داود. ذي بال: أي شأن يهتم به شرعًا. أقطع: أي ناقص. من فوائد الحديث: من آداب المسلم أن يبدأ قوله أو فعله بحمد الله تعالى، والأفضل الجمع بين البسملة والحمد لله. تستحب البداءة بالبسملة والحمد إذا كان الفعل أو القول مباحًا أو مندوبًا أو واجبًا، ويكره إن كان مكروهًا، ويحرم إن كان حرامًا. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد. رواه الترمذي. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها. رواه مسلم. كتاب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الحث على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيها من الأجر العظيم والخير العميم. الحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء. الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في رحمة الله للعبد. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة. رواه الترمذي. أولى الناس بي، أي أخصهم بي وأقربهم مني وأحقهم بشفاعتي، أكثرهم علي صلاة، أي في الدنيا. من فوائد الحديث: علو منزلة المكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة. قال ابن حبان: في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة هم أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وسلم منهم. وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقول: بليت. قال: إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. رَغِمَ: أَيْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، دَلَالَةً عَلَى الذُّلِّ وَالْحَقَارَةِ وَالِامْتِهَانِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذُكِرَ. الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ سَبَبٌ فِي الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَرْكُهَا سَبَبٌ لِلذُّلِّ وَالْحَقَارَةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، أَيْ لَا تَتَّخِذُوهُ مَزَارًا تَشُدُّونَ الرِّحَالَ إِلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: لَا يَجُوزُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا تُشَدُّ إِلَى مَسْجِدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا، فَإِذَا وَصَلَ الْعَبْدُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسْتَحَبُّ لَهُ زِيَارَةُ الْقَبْرِ. الحض على الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كان العبد، فإنها تبلغه عليه الصلاة والسلام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: روح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد السلام على من سلم عليه من المسلمين. حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، فلا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى. الحض على الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحظى العبد برد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل علي. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: البخل صفة سوء وخلة قبيحة تشترك فيها الأعيان والصفات، فقد يكون الرجل بخيلاً من جهة المال، وقد يكون بخيلاً من جهة ذكره لربه. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه التشابه أن الأول بخل وظن بالدرهم والدينار، والآخر بخل وظن بالثناء الحسن على الله تعالى، والدعاء والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتركا في صفة منع الخير وحجبه. وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته، لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: استحباب افتتاح الدعاء بحمد الله تعالى، والصلاة والسلام على نبي الله صلى الله عليه وسلم. يكره الاستعجال في الدعاء. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب استجابة الدعاء. وعن أبي محمد كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. متفق عليه. من فوائد الحديث: صفة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيفية، لا تجوز الزيادة عليها. دليل على فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها. رياض الصالحين.