الحلقة (151) باب فضل الذكر والحث عليه (2)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الذكر والحث عليه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ دبر الصلوات بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من فتنة القبر. رواه البخاري. أرذل العمر: أخسه، وهو الهرم. فتنة الدنيا: أي الدجال. من فوائد الحديث: الجبن والبخل خلقان سيئان ينبغي على العبد أن يستعيذ بالله منهما. قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الجبن والبخل؛ لأن الإحسان المتوقع من العبد إما بماله وإما ببدنه، فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه. العبد المؤمن قد يطبع على كل الخصال إلا الجبن والبخل. استحباب التعوذ من الهرم؛ لأن العبد يفقد فيه قواه الجسمية التي تعينه على طاعة الله، وقد يفقد قوته العقلية. إطلاق فتنة الدنيا على الدجال إشارة إلى عظم فتنته. وَأَنَّهَا أَكْبَرُ الْفِتَنِ الْكَائِنَةِ فِي الدُّنْيَا، فَمَا مِنْ فِتْنَةٍ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ حَقٌّ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاحِدٌ جَهُولٌ. وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الدُّعَاءَ عِنْدَ الْانْتِهَاءِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ. الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. الْعَبْدُ عُرْضَةٌ لِفِتَنِ الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي دَائِمًا أَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، سَائِلًا إِيَّاهُ أَلَّا يَكِلَهُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. المسيح الدجال فتنة كبيرة ينبغي على العبد أن يعتصم بالله منها. وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب التقرب إلى الله بهذا الدعاء بين التشهد والتسليم. الاستغفار بعد الطاعة مؤذن بأن العبد ينبغي أن يكون بالله لا بعمله، فلا يغتر بما عمل. الذنب والتقصير أمر لازم للبشر، فينبغي على العبد أن يتوب من ذلك كله ويستغفر مما لا يعلمه. علم الله شامل، أحاط بكل الأعمال والأقوال والأفعال والأحوال. مقاليد الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وملكوت السماوات والأرض بأمره، فهو يرفع من يشاء ويضع من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. متفق عليه. من فوائد الحديث: يستحب الدعاء في الركوع والسجود خلافًا لمن خصه بالسجود. يستحب المواظبة على هذا الدعاء؛ لأنه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي التزمه وأكثر منه. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. رواه مسلم. سبوح قدوس، أي المسبح والمقدس، ومعناه: ركوعي وسجودي للمبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية، المطهر من كل ما لا يليق بالخالق. الروح هو جبريل عليه السلام. من فوائد الحديث: استحباب دعاء الله تعالى بصفاته العليا الدالة على كماله وجلاله. الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، وإنما ذكر عالم الملائكة؛ لأنه أعظم العوالم وأطوعهم لله تعالى وأدومهم على عبادته، ثم ذكر أعظم الملائكة منزلة عند الله. جواز التسبيح في السجود خلافًا لمن خصه بالدعاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم. رواه مسلم. فقمن: أي حقيق. من فوائد الحديث: الحث على إكثار الدعاء في السجود؛ لأن العبد يكون قريبًا من مولاه. الأمر بإكثار الدعاء يشمل الحث على أن يسأل العبد ربه كل حاجة في نفسه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الطاعة تزيد العبد قربًا من الله سبحانه وتعالى. كلما ازداد العبد طاعة استجاب الله دعاءه. السجود من مواطن إجابة الدعاء، فعلى العبد أن يكثر من الدعاء طالبًا من الله تعالى خير الدنيا والآخرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره. وعلى نيته وسره. رواه مسلم. دقه وجله، أي صغيره وكبيره. من فوائد الحديث: يستحب الترقي في السؤال الدال على التدرج في تدرج الإجابة. الكبائر تنشأ عادة من الإدمان على الصغائر، ولذلك قدم الاستغفار من الصغائر على الكبائر في قوله: دقه وجله. التوبة واجبة من الصغائر والكبائر، لا فرق، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لي ذنبي كله. من ستره الله عند الوقوع في المعصية، فينبغي ألا يرفع ستر الله عنه بالمجاهرة، بل عليه المسارعة بالاستغفار والتوبة. استحباب هذا الذكر حال السجود. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فتحسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت. وفي رواية: فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان صريح أن مس الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء، ولو كان ينقض لبطلت صلاته صلى الله عليه وسلم، وهذا عام في كل امرأة. وصف حالة السجود من نصب القدمين، وكمال الخضوع مع غاية الانكسار والذل، مع كمال المحبة. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة. رواه مسلم. قال الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم، أو يحط. قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى القطان، عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: ويحط، بغير ألف. أو يحط عنه ألف خطيئة، أو ليست للشك، بل هي للتنويع. وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى. رواه مسلم. وعن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. رواه مسلم. وفي رواية له: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته. وفي رواية الترمذي: ألا أعلمك كلمات تقولينها: سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته. مسجدها، أي موضع صلاتها. الضحى، أي دخل في وقت الضحى. من فوائد الحديث: يستحب للمرأة أن تتخذ مسجداً لصلاتها في بيتها. حرص أمهات المؤمنين رضي الله عنهن على ذكر الله والإكثار منه. ينبغي على الرجل حث أهله وتحريضهم على الطاعة والذكر، والشكر لله رب العالمين. بيان فضل هذا الذكر وحده، وأنه يجزئ عن العبد في يومه، فلا يعد من الغافلين. رياض الصالحين.