الحلقة (152) باب فضل الذكر والحث عليه (3)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الذكر والحث عليه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت. رواه البخاري، ورواه مسلم فقال: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. رواه مسلم. روي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد. المفردون، أي المنفردون، وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وبقوا يذكرون الله. من فوائد الحديث: استحباب ملازمة الذكر دائماً؛ لأنه أفضل ما شغل العبد به نفسه بعد الفرائض. من لزم الذكر سبق أقرانه، ولم يلحقه أحد إلا رجل جاء بمثله أو بأفضل منه. وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل الذكر لا إله إلا الله. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: أفضل الذكر كلمة التوحيد؛ لأنها تشتمل على جميع معاني الذكر من تسبيح وحمد وتكبير وتعظيم، وهي الكلمة التي قامت عليها السماوات والأرض، وبها بعث المرسلون. وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله. رواه الترمذي. أتشبث به، أي أتعلق به. من فوائد الحديث: الحث على مداومة الذكر. الذكر طاعة سهلة ميسرة، لكنها ثقيلة في الميزان. ولذلك حثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاشتغال بالذكر. وعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة. رواه الترمذي. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. رواه الترمذي. قيعان جمع قاع، وهو المكان الواسع المستوي من الأرض. غراس جمع غرس، وهو ما يستر الأرض من البذر ونحوه. من فوائد الأحاديث: ذكر الله تعالى سبب لدخول الجنة. كلما أكثر العبد من ذكر الله كثرت غراسه في الجنة. وصف للجنة، وأنها طيبة التربة والماء، وأن الكلم الطيب غراسها. الحث على مداومة الذكر للإكثار من غراس الجنة. إثبات معجزة الإسراء والمعراج، فضل الأمة الإسلامية المرحومة حيث بلغها إبراهيم صلى الله عليه وسلم السلام. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى. رواه الترمذي. ألا أنبئكم، أي ألا أعلمكم. أزكاها، أي أكثرها ثوابًا وأطهرها. أرفعها، أي أزيدها. من فوائد الحديث: بيان فضل الذكر، وأنه يعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل، ونفقة الأموال في سبيل الله. جميع الأعمال شرعت إقامة لذكر الله تعالى. الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات، بل قد يأجر الله تعالى العبد على قليل العمل أكثر مما يأجره على كثيره. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك. رواه الترمذي. نوى: جمع نواة، وهي بذرة التمر. من فوائد الحديث: الإتيان بهذه الألفاظ على نحو ما ورد في الحديث أفضل من استعمال الحصى أو السبحة؛ لأن قوله عدد ما خلق وما ذكر بعد يكتب له به ثواب بعدد المذكورات، وما تعده بالحصى أو النوى قليل بالنسبة لذلك الكثير الذي لا يعلم كنهه ولا عدده إلا الله تعالى. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، متفق عليه. كنز من كنوز الجنة. سمى هذه الكلمة كنزًا لنفاستها وصيانتها. من فوائد الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلمًا لأمته، فلا يراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة. لا يتم إيمان العبد إلا بالتبري من كل حول وقوة إلا بالله، لأن عمود الإسلام خضوع واستسلام لرب العالمين. لا حول ولا قوة إلا بالله من ذخائر الجنة ومحصلات نفائسها. الحض على هذا الذكر؛ لأنه يحصل به لقائله ثوابًا نفيسًا يُدَّخر له في الجنة. باب ذكر الله تعالى قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومحدثًا وجنبًا وحائضًا إلا القرآن، فلا يحل لجنب ولا حائض. قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. من فوائد الحديث: الذكر يكون على أي هيئة كان عليها الإنسان. لفظ الله منفردًا ليس من الذكر، بل قائلها على سبيل القربة مبتدع، إذ لم يثبت لفظ الذكر بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. المسلم لا يغفل عن ذكر الله في أي حال من أحواله، ولا يعيقه شيء عنه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان. متفق عليه. لم يضره، أي لا يصيبه الشيطان بأذى. من فوائد الحديث: استحباب التسمية والدعاء، والمحافظة على ذلك حتى في حالة الجماع. ينبغي على العبد أن يعتصم بذكر الله ودعائه، وأن يتبرك باسمه، وأن يستعيذ به من جميع الأسواء والشرور. الاستشعار بأن الميسر لذلك العمل والمعين عليه هو الله. إشارة إلى أن الشيطان ملازم لابن آدم لا يفتر عنه إلا إذا ذكر الله تعالى. باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه. عن حذيفة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. رواه الترمذي. رياض الصالحين.