الحلقة (157) باب فضل الدعاء بظهر الغيب

رياض الصالحين · المقطع 157 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الدعاء. وعن علي رضي الله عنه أن مكاتبًا جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني. قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو كان عليك مثل جبل دينًا أداه الله عنك. قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك. رواه الترمذي. عجزت عن كتابتي، أي لزمني الدين بسبب كتابتي، اكفني، أي اجعل لي كفاية. من فوائد الحديث: الحث على إعانة المكاتب. تجوز المسألة لمن لزمه الدين وأثقله حتى يجد ما يكفيه. الرزق الحلال وإن قل خير من المال الحرام وإن كان كثيرًا. الفضل كله لله، فلا يُنسب خير إلا له، ولغيره تبعًا. ينبغي على العبد أن يستعين بالله وحده فيما لا يقدر عليه إلا الله. وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أباه حصينًا كلمتين يدعو بهما. اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: وجوب الاستعاذة من شرور النفس وسيئات الأعمال. التوفيق ألا يكلك الله لنفسك طرفة عين. وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله تعالى. قال: سل الله العافية. فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله تعالى. قال لي: يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الله هو العفو، فيجب أن يسألوه العافية في الدنيا والآخرة. من حاز العافية فقد أوتي خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة؛ لأنها في الدنيا تعني السلامة من الأسقام والآلام والمحن والفتن، وفي الآخرة بتكفير الذنوب وإزالة المرهوب والقرب من المحبوب. حرص الصحابة رضي الله عنهم على الاستزادة من الخير والعلم. وعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة رضي الله عنها. يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء. خضوع الرسول صلى الله عليه وسلم وتضرعه لمولاه. الأعمال بخواتيمها، نسأل الله حسن الخاتمة. الثبات على الإسلام هو النعمة العظمى التي ينبغي على العبد أن يسعى إليها ويشكر مولاه عليها. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان من دعاء داود صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك. اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي، ومن الماء البارد. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الحث على طلب محبة الله تعالى والسعي لنيلها. مجاهدة النفس وتقديم طاعة الله وطاعة رسوله على نفسه، وكل ما تهوى نفسه وتشتهيه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام. رواه الترمذي والنسائي. أَلِظُّوا، أي: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها. من فوائد الحديث: الحث على الإكثار من هذه الدعوة والالتزامها، لما فيها من الثناء التام على الله سبحانه وتعالى، ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا. قلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا. فقال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله؟ تقول: اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رواه الترمذي. وأنت المستعان، أي: المطلوب منه الإعانة. عليك البلاغ، أي: الكفاية. من فوائد الحديث. المداومة في الدعاء بهذا الدعاء الجامع لكل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم. تظهر فائدة هذا الحديث خاصة لمن لا يحفظ من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من يسر الإسلام وسعة رحمة الله تعالى بعباده. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. رواه الحاكم. موجبات رحمتك، أي ما يوجبها، وعزائم مغفرتك، أي موجبات غفرانك، البر، أي الطاعة. من فوائد الحديث: حث على السعي في أعمال البر والطاعات، والبعد عن الشر والمعاصي. باب فضل الدعاء بظهر الغيب. قال تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. وقال تعالى: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل. رواه مسلم. لأخيه: المراد أخوه في الإسلام. بظهر الغيب: أي في غيبة المدعو له أو في سره. بمثل: أي بمثل ما دعوت له. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل. رواه مسلم. ملك موكل: أي ملك مأمور بهذا العمل خاصة. من فوائد الحديث: حرص الإسلام على تقوية روابط الأخوة بين المؤمنين في جميع الأحوال والأزمان. تقييد الدعوة بالغيب؛ لأن ذلك أبلغ في الإخلاص وحضور القلب. فضل الدعاء للإخوة بظهر الغيب. الدعاء بظهر الغيب مستجاب لا يرد. استحباب أن يدعو المسلم لنفسه وأخيه بخير الدنيا والآخرة. بيان بعض أعمال الملائكة، وأن منهم من وكله الله بهذا العمل. الملائكة لا تؤمن إلا على خير. هذا الحديث يفيد فائدة عظيمة؛ لأنه إذا استجيب لك في أخيك لأنه غائب عنك، رجونا أن يستجاب للملك فيك؛ لأنك غائب عنه. كان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه بشيء دعا لإخوانه بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها. باب في مسائل من الدعاء. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الحث على عمل الخير وصناعة المعروف للمسلمين. الأمر بمكافأة المحسن الذي يصنع المعروف. الدعاء لمن أحسن إليك يكون مع عدم القدرة على المكافأة. الاعتراف بالفضل لأهله، وحفظ الجميل لفاعله من شيم المؤمنين. وعن جابر رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الإنسان عجول بطبعه، كما قال تعالى: وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا، فلذلك ينبغي عليه تهذيب نفسه، فلا يدعو على نفسه أو ولده أو ماله بشيء من الضرر. علة النهي: لئلا توافق ساعة الإجابة حال الدعاء، فيوافق القضاء، فتصبح نادمين وتسقطوا على القدر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. يستحسر: أي ينقطع من التعب. من فوائد الحديث: من موانع إجابة الدعاء الاستعجال، والدعاء بإثم، والضجر وترك الدعاء. الاستعجال يؤدي إلى الفتور والانقطاع عن عبادة الدعاء. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات. رواه الترمذي. جوف الليل: أي وسطه. دبر الصلوات المكتوبات: أي عقب الصلوات المفروضة. من فوائد الحديث: بيان أرجى الأوقات لإجابة الدعاء، وعلى المسلم أن يكثر من الدعاء فيها. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها. ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذن نكثر. قال: الله أكثر. رواه الترمذي، ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه: أو يدخر له من الأجر مثلها. من فوائد الحديث: دعوة المسلم مستجابة لا ترد، لكن بشروطها وآدابها، ولذلك ينبغي على العبد ألا يستعجل بالإجابة. دعوة المسلم تحت ثلاثة أمور: إما الإجابة، وإما التأخير ودفع البلاء عنه بقدرها، وإما ادخارها ليوم القيامة فيثيبه عليها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم. متفق عليه. من فوائد الحديث: استحباب الدعاء بهذا الذكر عند الكرب لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الدواء الشافي عند الشدائد هو توحيد الله عز وجل، ومناجاته بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. وَعَدَمُ الِالْتِجَاءِ إِلَى غَيْرِهِ وَالنَّظَرِ إِلَى سِوَاهُ. رياض الصالحين.