الحلقة (160) باب تحريم الغيبة (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب الأمور المنهي عنها. باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان. قال الله تعالى: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. وقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا. وقال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. متفق عليه. وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. متفق عليه. من فوائد الحديث: النهي عن إيذاء المسلمين قولًا وعملًا، ولذلك ذكر اللسان للدلالة على القول، وذكر اليد للدلالة على الفعل. المسلمون مراتب، فأفضلهم من منع شره عن عباد الله، ولم يصدر منه أذى لأحد منهم. منع الشر يستلزم بذل المعروف والخير للمسلمين. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة. متفق عليه. يضمن أي يحفظ ويؤدي الحق. ما بين لحييه: اللحيان هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان، والمراد اللسان. ما بين رجليه: أي الفرج. من فوائد الحديث. وجوب حفظ الجوارح والأعضاء واستعمالها في طاعة الله. وجوب حفظ اللسان عن النطق بما لا يسوغ شرعًا مما لا حاجة للمتكلم به. أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر. البعد عن المعاصي سبب لدخول الجنة بعد رحمة الله تعالى وفضله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. متفق عليه. ومعنى يتبين: يتفكر أنها خير أم لا، يزل بها إلى النار، أي يسقط بسببها في نار جهنم، عياذًا بالله. من فوائد الحديث: الحث على حفظ اللسان، الحث على التأمل في الكلام والتفكر فيه حتى لا يتكلم إلا إن ظهرت المصلحة الراجحة في القول، وإلا أمسك. ينبغي على المسلم ألا يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبيحه. هذا الحديث دليل صريح على قاعدة مآل الأفعال، وأن الفقيه من نظر في العواقب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم. رواه البخاري. لا يلقي لها بالًا، أي لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئًا. يهوي بها، أي ينزل فيها ساقطًا، لأن النار دركات إلى أسفل، فهو نزول سقوط. من فوائد الحديث: الكلام حسن وقبيح، فما كان في رضوان الله فهو حسن، وما كان في سخطه فهو قبيح. الجنة درجات والنار دركات. الحث على التكلم بالخير من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين الناس، والوعيد الشديد على ضده. وعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت. يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه. رواه مالك في الموطأ، والترمذي. من فوائد الحديث: على المرء المسلم التأمل والتدبر في كل قول وفعل، فقد يكون في جزع وتسخط فتظنه في تضرع وابتهال. الغفلة الشديدة عن غضب الجبار موقعة في النار وبئس القرار. حرمة التزلف للأمراء بالكلام لإرضائهم بما يسخط الله أو يزين لهم الباطل كإراقة دم أو ظلم مسلم. الحديث دليل على أن احتقار الذنب واستصغار المعصية يفضي إلى الهلاك. وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: قل ربي الله ثم استقم. قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: حرص الصحابة على تعلم الخير بكلام جامع لأمر الإسلام. كافٍ لا يحتاج إلى غيره. كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين لكتاب الله، وهو سهل ميسر، لا يحتاج إلى غيره كاحتياجه إليه. قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: قل آمنت بالله فاستقم، وفي رواية الترمذي: قل آمنت بالله ثم استقم، مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، وقوله عز وجل: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الاستقامة علم وعمل. الاستقامة تكون بتوحيد الله تعالى وعدم الحيدة عنه أو الالتفات إلى غيره، فهي تتضمن إخلاص العلم والعمل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي. رواه الترمذي. قسوة القلب، أي غلظه وعدم تأثره بالمواعظ. من فوائد الحديث: كثرة الكلام فيما لا فائدة فيه سبب لقسوة القلب والبعد عن رحمة الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة. رواه الترمذي. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. رواه الترمذي. أمسك عليك لسانك، أي احفظه. وليسعك بيتك، أي اشتغل بما يلزمك بيتك، وهو طاعة ربك. وابك على خطيئتك، أي اندم على ذنبك باكياً. من فوائد الحديث: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة سبيل النجاة وتعلم الخير. جواب الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب حكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها؛ لأنه أهم. ينبغي على العبد أن يصون لسانه عن حصائده التي تكب الناس على مناخرهم في نار جهنم. الاشتغال بطاعة الله يحصل الإنسان من الانشغال بغيره، أو الالتفات لخلقه، أو تعلق القلب بسبب منقطع عنه. استحباب اعتزال مخالطة الناس إذا كان في ذلك مصلحة راجحة. الندم على الخطيئة دافع للتوبة والاستغفار، ومن اشتغل بذنبه لم يجد وقتًا للانشغال بغيره، ولذلك فإنه يحفظ لسانه إلا في ذكر أو دعاء أو استغفار. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. رواه الترمذي. معنى تكفر اللسان: أي تذل وتخضع له. من فوائد الحديث: أهمية حفظ اللسان في سلامة الإنسان، وذلك لأنه ترجمان القلب والمعبر عنه وخليفته، فما خطر على الفؤاد ظهر على اللسان، ولذلك قيل: المرء بأصغريه، قلبه ولسانه. الإنسان كل متكامل، فإذا أخطأ عضو من أعضائه. تأثرت جميع الأعضاء حيث عرضها لسخط الله وعقابه. ينبغي على العبد أن يجنب نفسه موارد الهلكة، ويسلك سبيل النجاة بتقوى الله تعالى في السر والعلن. رياض الصالحين.