الحلقة (162) باب ما يباح من الغيبة

رياض الصالحين · المقطع 162 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم سماع الغيبة، وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه. قال الله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وقال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا، وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فمن لم يستطع فارق المجلس. الدفاع عن المسلم وصون عرضه سبيل للنجاة من عذاب جهنم يوم القيامة. وفيه بيان شدة فضل من يمنع الغيبة ويردع المغتاب، تعظيم حرمة المسلم، وبيان جرم من انتهكها قولًا أو فعلًا. المجتمع المسلم متماسك كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، لأن المسلمين إخوة في الإيمان. وعن عتبان بن مالك رضي الله عنه في حديثه الطويل المشهور الذي تقدم في باب الرجاء، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقال: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. متفق عليه. وعن كعب بن مالك رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة توبته، وقد سبق في باب التوبة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه. بِئْسَ ما قلت، والله يا رسولَ الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه. عطفاه، أي جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه. باب ما يباح من الغيبة. اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو بستة أسباب: الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك. ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا. ثالثًا: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك. فهذا جائز للحاجة. ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى. الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه، منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته. ويجب على المشاور ألا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة. ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة، فليتفطن لذلك. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك. فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة، ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. السادس: التعريف، إذا كان الإنسان معروفاً بلقب، كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول وغيرهم، جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء، وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة المشهورة. فمن ذلك عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة. متفق عليه. احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب. من فوائد الحديث: جواز ذكر أهل الفساد والريب، ولذلك ترجم البخاري قائلاً: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب. المجاهر بالفسق والشر لا يكون ما يُذكر عنه من ذلك من ورائه من الغيبة المذمومة. قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه، ليس من الغيبة. كل شخص علم فحشًا في غيره، ورأى أن ثالثًا سيغتر بهذا الفاحش، فعليه أن ينصحه ويعظه ويحذره منه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا. رواه البخاري. قال الليث بن سعد، أحد رواة هذا الحديث: هذان الرجلان كانا من المنافقين. من فوائد الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف جميع المنافقين؛ لأنه قاله على سبيل الظن. بيان أن بعض الظن جائز؛ لأنه يكون في مقام التحذير مثل حال الرجلين. ولذلك ترجم له البخاري في كتاب الأدب: باب ما يجوز من الظن. جواز كشف حال من عُرف بالنفاق. الظن المنهي عنه إنما هو ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه. وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: وأما أبو الجهم فضراب للنساء. وهو تفسير لرواية لا يضع العصا عن عاتقه، وقيل: معناه كثير الأسفار. الصعلوك: أي الفقير. من فوائد الحديث: جواز سماع كلام الأجنبية والأجنبي في الاستفتاء ونحوه. جواز الخطبة على خطبة غيره إذا لم يحصل للأول إجابة. جواز ذكر الغائب بما فيه من العيوب التي يكرهها إذا كان للنصيحة، ولا يكون حينئذ غيبة محرمة؛ لأن من استشير لزمه القول بالحق وأداء النصيحة، وليس ذلك من باب الغيبة؛ لأنه لم يقصد بذلك لمزه ولا شفاء غيظه ولا أذى. استحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته وإن كرهها. قبول نصيحة أهل الفضل، والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة. استحباب تفضيل نكاح الرجل الموسر على أهله. استحباب تقديم نكاح الرجل قليل الضرب لزوجته، أو قليل السفر، على تفسير أنه لا يضع العصا عن عاتقه، أي كثير السفر. يجوز للمستشار أن يشير بغير من استشير فيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أسامة، ولم تذكر له إلا أبا جهم ومعاوية. وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوه شدة، حتى أنزل الله تعالى تصديقي: إذا جاءك المنافقون، ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. متفق عليه. ينفضوا، أي يتفرقوا عنه. شدة، أي كرب شديد. لووا، أي أمالوا إعراضًا. من فوائد الحديث: جواز ترك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات؛ لئلا ينفر أتباعهم، والاقتصار على معاتبتهم وقبول أعذارهم وتصديق أيمانهم، وإن كانت القرائن ترشد إلى خلاف ذلك، لما في ذلك من التأنيس والتأليف. جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يعد نميمة، إلا إن قصد بذلك الإفساد المطلق. من صدق الله لم يكله إلى نفسه، بل قواه وبرأه، وجعل له مقالًا، كما أنزل الله هذه الآيات في المنافقين تصديقًا لزيد بن أرقم رضي الله عنه، وكشفًا لسوءة المنافقين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. متفق عليه. الشح: البخل مع الحرص، بالمعروف. أي وسط من غير إسراف ولا تقتير. من فوائد الحديث: جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء ونحو ذلك. جواز استماع أحد الخصمين في حال غياب الآخر. جواز استماع كلام الأجنبية عن الحكم والإفتاء. القول قول الزوجة في قبض النفقة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يطلب منها بينة. وجوب نفقة الزوج وأنها مقدرة بالكفاية. وجوب نفقة ولد المرأة على الزوج. جواز القضاء على الغائب. جواز أن تقوم المرأة على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم. إعمال للعرف في الأمور التي لا تحديد للشرع فيها. إذا لم ينفق الرجل فللمرأة حق أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه ما يكفيها وعيالها. جواز خروج الزوجة من بيت زوجها لحاجة إذا أذن لها أو علمت رضاه به. رياض الصالحين.