الحلقة (164) باب بيان ما يجوز من الكذب

رياض الصالحين · المقطع 164 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم الكذب. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله، ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه. فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت: سبحان الله، ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فأحسب أنه قال: فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضؤوا. قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا. فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجراً. قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرأى، أو كأكره ما أنت راءٍ رجلاً مرأى، فإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها. قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط. قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة، لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن. قالا لي: ارق فيها. فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر منهم كأقبح ما أنت راءٍ. قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهرٌ معترضٌ يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. فسمى بي بصري صعودًا، فإذا قصرٌ مثل الربابة البيضاء. قالا لي: هذاك منزلك. قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أما إنا سنخبرك. أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة. وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم. رواه البخاري. وفي رواية له: رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، ثم ذكره، وقال: فانطلقنا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته ناراً، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، وفيها. حتى أتينا على نهرٍ من دم، ولم يشك، فيه رجلٌ قائمٌ على وسط النهر، وعلى شطِّ النهر رجل، وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج جعل يرمي في فيه بحجر، فيرجع كما كان، وفيها: فصعد بي الشجرة، فأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب، وفيها الذي رأيته يشق شدقه، فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، وفيها الذي رأيته يُشدخ رأسه، فرجلٌ علَّمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، فيفعل به إلى يوم القيامة. والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قال: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي. قال: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته أتيت منزلك. رواه البخاري. قوله يثلغ رأسه، أي يشدخه ويشقه. قوله يتدهده، أي يتدحرج. قوله فيشرشر، أي يقطع. قوله ضوضأ، أي صاح. قوله فيفغر، أي يفتح. قوله المرأة، أي المنظر. قوله يحشها، أي يوقدها. قوله روضة معتمة، أي وافية النبات طويلة. قوله دوحة، هي الشجرة الكبيرة. قوله المحض، هو اللبن. قوله فسما بصري، أي ارتفع. وصعودا، أي مرتفعا. والربابة، هي السحابة. من فوائد الحديث: تعبير الرؤيا وقت الصبح أفضل من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها. استحباب السؤال عمن رأى رؤيا وسماعها. إثبات عذاب القبر، وأن بعض العصاة يعذبون في البرزخ. جواز تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة ثم يفسرها على الترتيب ليجتمع تصورها في الذهن. التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة. التحذير عن رفض القرآن لمن يحفظه. فيه التحذير من الزنا والربا وتعمد الكذب؛ لأنها من الموبقات المهلكات. بيان الحث على طلب العلم واتباع من يلتمس منه ذلك. بيان فضل الشهداء، وأن منازلهم أرفع المنازل. من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم برحمته. باب ما يجوز من الكذب. اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرماً، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوضحتها في كتاب الأذكار، ومختصر ذلك أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب. ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً كان الكذب مباحاً، وإن كان واجباً كان الكذب واجباً. فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وأخفى ماله، وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها، وجب الكذب بإخفائها. والأحوط في هذا كله أن يوري، ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ، وَلَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ وَأَطْلَقَ عِبَارَةَ الْكَذِبِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ فِي هَذَا الْحَالِ. وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِجَوَازِ الْكَذِبِ فِي هَذَا الْحَالِ بِحَدِيثِ: عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا. وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَعْنِي الْحَرْبَ، وَالْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا. لَيْسَ الْكَذَّابُ، أَيْ لَيْسَ الْمَذْمُومُ شَرْعًا، فَيَنْمِي، أَيْ فَيَبْلُغُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يُسَمَّى كَاذِبًا مَذْمُومًا. الْكَذِبُ الْمَذْمُومُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ مَضَرَّةٌ. جَوَازُ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْوَاقِعَةَ أَرْجَحُ. رياض الصالحين.