الحلقة (165) باب تحريم لعن إنسان بعينه

رياض الصالحين · المقطع 165 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه. قال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم. وقال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع. رواه مسلم. من فوائد الحديث: زجر شديد عن الحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما يسمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن. وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. رواه مسلم. من فوائد الحديث: عدم جواز رواية الأحاديث على ظن أنها صحيحة، عدم جواز رواية الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أسماء رضي الله عنها. أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور. متفق عليه. المتشبع هو الذي يُظهر الشبع وليس بشبعان، ومعناه هنا أنه يُظهر أنه حصل له فضيلة وليست حاصلة، ولابس ثوبي زور، أي ذي زور، وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيى بزي أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليغتر به الناسك، وليس هو بتلك الصفة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. المتشبع: المتزين. ضرة: أي امرأة الزوج. جناح: أي إثم. من فوائد الحديث: عدم جواز غيظ الضرة لضرتها. كذب المتشبع مضاعف؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وكذب على غيره بما لم يُعطَ. عدم جواز تزيي العباد بلباس غيرهم إذا لم يكن فيهم أصلاً، مثل من يتزيى بزي أهل العلم وغيرهم. عدم جواز إفساد المرأة بين زوجها وضرتها. باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور. قال الله تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. وقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. وقال تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه. باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة. عن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه، وهو من أهل بيعة الرضوان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه. ولعن المؤمن كقتله، متفق عليه. الملة: أي الدين والشريعة. من فوائد الحديث: يحرم التدين بملة غير ملة الإسلام. من عزم على شيء من ذلك تدينا، أو عظم شيئا عالما مستحلا، فهو كما قال، ولن يرجع إلى الإسلام سالما. يدل الحديث على مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، وهو يدل على أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره؛ لأن نفسه ليست ملكا له مطلقا، بل هي لله، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه. لا يجب على العبد الوفاء بنذر لا يملكه. تغليظ تحريم لعن المسلمين بعضهم بعضا، حيث بين أن إثم لعن المسلم مماثل لإثم قتله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الزجر عن اللعن؛ لأن من تخلق به لا يكون فيه صفات جميلة؛ لأن اللعنة يراد بها الإبعاد من رحمة الله، وليست الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين. ذمٌّ للمكثرين من اللعن؛ لأنه يتنافى مع كمال التصديق والتفويض. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ذمٌّ للمكثرين من اللعن، فهم لا يشفعون يوم القيامة لإخوانهم حين يشفع المؤمنون لإخوانهم، ولا تُقبل شهادتهم يوم القيامة على غيرهم. الشاهد والشفيع يجب أن يكون عدلًا ليس فيه شيء من خوارم المروءة أو رقّة في الدين أو الجرأة على عباد الله. المؤمن لا يستعجل العذاب بالمخالف أو يقنطه من رحمة الله، بل هو صبور محتسب، مفتاح للرحمة، مغلاق للشر. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: تحريم التلاعن بلعنة الله. لا يجوز الدعاء على أحد بالنار؛ لأنها من خصوصية عذاب الله. لا يجوز الدعاء بغضب الله. بيان شدة عظم اللعنة وغضب الله والعذاب بنار الله. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي. رواه الترمذي. الطعان: أي الوقوع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما. الفاحش: أي ذو الفحش في كلامه. من فوائد الحديث: ليس من صفات المؤمن الذي حسن إيمانه الوقوع في أعراض المسلمين. ليس من صفات المؤمن كثرة اللعن. ليس من صفات المؤمن الفحش. ليس من صفات المؤمن البذاءة. تحريم الطعن واللعن والفحش والبذاءة. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها. رواه أبو داود. مساغًا، أي مدخلًا وطريقًا. من فوائد الحديث: بيان عِظَم شأن اللعنة، بيان أن اللعنة تلحق صاحبها في بعض الأوقات، عدم قبول الله من عباده لعنهم لبعضهم بعضًا. وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: بينما رسول الله في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة. قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. رواه مسلم. ضجرت، أي اغتمت من معالجة الناقة وصعوبتها. خذوا ما عليها، أي اطرحوا ما عليها من الأمتعة والرحل. من فوائد الحديث: فيه جواز ركوب الدواب، لا يجوز لعن الدواب، عدم جواز اقتناء دابة ملعونة. وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم، إذ بصرت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتضايق بهم الجبل. فَقَالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُصَاحِبُنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: حَلْ، هِيَ كَلِمَةٌ لِزَجْرِ الإِبِلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ النَّهْيُ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ جَائِزٌ لَا مَنْعَ مِنْهُ إِلَّا مِنْ مُصَاحَبَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فَمُنِعَ بَعْضٌ مِنْهَا، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ جَوَازِ لَعْنِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ. وَأَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا. وَأَنَّهُ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ. وَأَنَّهُ قَالَ... لعن الله من غير منار الأرض، أي حدودها. وأنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة. وأنه قال: لعن الله من لعن والديه. ولعن الله من ذبح لغير الله. وأنه قال: من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأنه قال: اللهم العن رِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّة، عصوا الله ورسوله. وهذه ثلاث قبائل من العرب. وأنه قال: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. وجميع هذه الألفاظ في الصحيح، بعضها في صحيحي البخاري ومسلم، وبعضها في أحدهما. وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليهما، وسأذكر معظمها في أبوابها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. رياض الصالحين.