الحلقة (166) باب تحريم سب المسلم بغير حق
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم سب المسلم بغير حق. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر. متفق عليه. الفسق: أي الخروج عن طاعة الله والرسول، وهو في عرف الشرع أشد من العصيان. السباب: أي السب والشتم، والتكلم على الإنسان بما يعيبه. من فوائد الحديث: تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق. بعض الأعمال يطلق عليها كفرًا تغليظًا، وهي من باب كفر دون كفر ما لم يستحلها. وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يرمي رجل رجلًا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك. رواه البخاري. من فوائد الحديث: من قال لآخر فاسق أو كافر، فإن لم يكن فيه ذلك، فإن ذلك يرجع إليه. جواز أنه من رأى فاسقًا أو كافرًا، وكان لديه بينة على ذلك، أن يبين ذلك للتحذير منه. زجر المسلمين عن طعنهم بعضهم بعضًا بالفسق أو الكفر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المتسابان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم. رواه مسلم. المتسابان: اللذان يشتم كلٌّ منهما الآخر. ما قالا: أي إثم ما قالا من السب. حتى يعتدي المظلوم: أي يتجاوز حد الانتصار. من فوائد الحديث: سباب المسلم حرام. جواز انتصار المسبوب لنفسه بمثل ما سبه ما لم يكن كذبًا أو قذفًا. إذا انتصر المسبوب لنفسه استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء. إذا زاد المظلوم في الاعتداء لحقه الإثم. يستحب الصبر والعفو عن المسلمين لئلا يقع العبد في الاعتداء. البادئ بالشر والابتداع. عليه إثم من استنَّ به، لا ينقص من أوزارهم شيء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. قال: لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان. رواه البخاري. قد شرب، أي شرب الخمر. لا تعينوا عليه الشيطان، أي لا تجعلوا الشيطان يبلغ مقصوده ويحصل مراده، لأنه يريد بتزيينه المعصية له حصول الخزي، فإذا دعوا عليه بالخزي فقد حقق الشيطان آماله. من فوائد الحديث: رد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر. نفي الإيمان عن شارب الخمر لا يراد به الكلية، بل يراد نفي كمال الإيمان. جواز إقامة الحد على شارب الخمر بالضرب. جواز الضرب بالنعال واليد وأطراف الثوب. الشيطان يريد الخزي للعباد. منع الناس من مساعدة الشيطان في إغواء العباد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال. متفق عليه. قذف: أي رمى. الحد: أي العقوبة المحددة في الشرع للقاذف، وهي ثمانون جلدة. من فوائد الحديث: الحدود في الشرع تأديب وتعذيب، وهي زواجر وجوابر. وجوب إقامة الحدود على العباد كانوا أحرارًا أو مملوكين. التحذير من قذف العباد بعضهم بعضًا. من لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة. باب تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية، وهو التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه ونحو ذلك، وفيه الآية والأحاديث السابقة في الباب قبله. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. رواه البخاري. أفضوا: أي وصلوا. ما قدموا: أي من عمل. من فوائد الحديث. تحريم سب الأموات. الأموات وصلوا إلى ما قدموا من خير أو شر، فلا فائدة من سبهم. حرمة المسلمين الأموات كحرمة الأحياء. باب النهي عن الإيذاء. قال الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. متفق عليه. الهجر: أي الترك. من فوائد الحديث: من أدلة إسلام المسلم سلامة المسلمين من لسانه ويده. من أدلة إسلام المسلم حسن معاملة العبد مع ربه. اللسان هو المعبر عما في النفس، وكذلك اليد. وجوب الابتعاد عن كل ما يلحق الأذى والضرر بالمسلمين. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر. قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. وقال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ. متفق عليه. الحسد: تمني زوال النعمة عن مستحق لها. التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ويعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع. من فوائد الحديث: نهي المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى، بل على أهواء النفس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون. نهي المسلمين عن الحسد وتمني الشر، فلا يحسد بعضكم بعضًا. نهي عن التدابر والتقاطع والهجر فوق ثلاث، وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاث. الحث على التآخي في الدين، وأن ذلك أسمى وشائج الإيمان. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا. رواه مسلم. وفي رواية له: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، وذكر نحوه. الشحناء: أي العداوة. أنظروا هذين: أي أخروهما. من فوائد الحديث: بيان أفضلية يوم الاثنين والخميس. الأعمال ترفع كل اثنين وخميس، وتعرض على الله الذي لا تخفى عليه خافية. كل الذنوب تغفر بالاستغفار إلا الشرك والشحناء. بيان غلظ حرمة الشحناء، وذلك لقرنها بالشرك. وجوب إصلاح ذات البين، ونصرة المظلوم، وردع الظالم الجاني. باب تحريم الحسد، وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا. قال الله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. وفيه حديث أنس السابق في الباب قبله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: النهي عن الحسد؛ لأنه يذهب الحسنات ويبطلها بسرعة، كما تقضي النار على الحطب والعشب اليابس. رياض الصالحين.