الحلقة (169) باب النهي عن تناجي اثنين
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة، وهو أن يتحدثا سرًّا بحيث لا يسمعهما، وفي معناه ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه. قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، متفق عليه. ورواه أبو داود وزاد: قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك. ورواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلاً آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئاً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد. لا يتناجى، أي لا يتكلما سرًّا. استأخرا، أي تأخرا قليلاً. من فوائد الحديث بيان أن التناجي يجوز شرعاً بشرط ألا يكون في الإثم والعدوان ومعصية الرسول. بيان حد للعدد الذي لا يجوز أن يتناجى اثنان في حالة وجوده، لئلا يحزن ويسوء ظنه بأنه ينال منه أو يتكلم فيه. إذا زاد عدد الوجود عن الثلاثة جاز تناجي الاثنين. منع حدوث البغضاء والشحناء بين المسلمين. لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة بتوجيهاته وتنظيماته وآدابه، فهو لم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة البشر إلا أحصاها وبيّنها ووضحها. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه. متفق عليه. حتى تختلطوا، أي حتى يختلط الثلاثة بالناس. من فوائد الحديث جواز التناجي في حال الاختلاط بالناس. النهي عن النجوى على سبيل التحريم؛ لأن ذلك يؤذي الثالث ويحزنه. وَإِيذَاءُ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَعْذِيبِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ أَوْ زَائِدٍ عَلَى قَدْرِ الْأَدَبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا. عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. خَشَاشُ الْأَرْضِ هِيَ هَوَامُّهَا وَحَشَرَاتُهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَحْرِيمُ قَتْلِ مَنْ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِقَتْلِهِ عَطَشًا وَلَوْ كَانَ هِرَّةً. عَدَمُ جَوَازِ حَبْسِ الْحَيَوَانِ مِنْ أَجْلِ اتِّخَاذِهِ غَرَضًا. الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْحَيَوَانِ. الْعَذَابُ يَلْحَقُ الْعِبَادَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَرَوْنَهَا صَغِيرَةً. جواز إمساك ما يقتنى من الحيوان بشرط القيام بكفايته والإحسان إليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا. متفق عليه. الغرض هو الهدف والشيء الذي يُرمى إليه. نصبوا طيرًا، أي جعلوه هدفًا لنبلهم. كل خاطئة من نبلهم، أي كل نبلة لم تصب الهدف. من فوائد الحديث: رحمة الله لعباده حتى في حال القتل. وجوب الرفق بالحيوان. جواز لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا، وهذا يدل على جواز لعن أصحاب المعاصي المعينين. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقته، وعدم تأخير البيان عن وقت الحاجة. من نهى عن منكر لزمه بيان دليله الشرعي من الكتاب والسنة، كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما. حرمة تضييع المال؛ لأن الطير إذا مات حرم أكل لحمه. تحريم اللهو الباطل الذي لا يعود على الأمة بفائدة. وعن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُصبر البهائم. متفق عليه. ومعناه تُحبس للقتل. من فوائد الحديث: تحريم قتل الحيوان صبرًا، تحريم حبس الحيوان لغير مصلحة. وعن أبي علي سويد بن مقرن رضي الله عنه قال: لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن، ما لنا خادم إلا واحدة، لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعتقها. رواه مسلم. وفي رواية: سابعة إخوة لي. من فوائد الحديث: جواز إطلاق الخادم على الجارية، غلظ تعذيب المملوك والاعتداء عليه، عتق المملوك كفارة لضربها، صغير القوم يؤخذ بفعله القوم كلهم. وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ. فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَقَطَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ. دَنَا: أَيْ قَرُبَ. لَفَحَتْكَ: أَيْ أَحْرَقَتْكَ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ، الْحَثُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَفْوِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ، كَمَا يُعَامِلُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ، وُجُوبُ الْانْقِيَادِ لِوَعْظِ وَتَحْذِيرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِتْقُ الْمَمْلُوكِ كَفَّارَةٌ لِضَرْبِهِ، إِذَا قَدَرْتَ عَلَى الْعِبَادِ فَتَذَكَّرْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ، الْإِعْرَاضُ عَنْ نُصْحِ الرَّسُولِ يُورِدُ النَّارَ، اسْتِجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِرْصُهُمْ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا يَعِظُهُمْ، هَيْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُفُوسِ أَصْحَابِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. من ضرب غلامًا له حدًّا لم يأته أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه. رواه مسلم. حدًّا، أي العقوبة المقدرة في الشرع. لم يأته، أي لم يفعله. لطمه، أي ضربه بيده على وجهه. من فوائد الحديث: الحث على الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم ودفع الأذى عنهم. جواز إقامة الحد على المملوك. عتق المملوك كفارة لضربه. وعن هشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنهما أنه مر بالشام على أناس من الأنباط، وقد أقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج. وفي رواية: حبسوا في الجزية. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. فدخل على الأمير فحدثه، فأمر بهم فخلوا. رواه مسلم. الأنباط: الفلاحون من العجم. فخلوا، أي تركوا من العذاب. من فوائد الحديث: تحريم تعذيب الناس بغير حق. استحباب قبول الأمير النصيحة من الرعية. حق الرعية النصح للحاكم والأمير. حرص المسلم على الانتفاع بإرشادات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا موسوم الوجه، فأنكر ذلك، فقال: والله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه، وأمر بحماره، فكوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين. رواه مسلم. الجاعرتان: ناحيتا الوركين حول الدبر. موسوم الوجه: أي مكوي الوجه، لتعليمه وتمييزه من غيره. من فوائد الحديث: النهي عن وسم الحيوان في وجهه. جواز الوسم في غير الوجه للحيوانات. وجوب إنكار المنكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه. رواه مسلم. وفي رواية لمسلم أيضًا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه. من فوائد الحديث. جواز لعن من وسم في الوجه. الوسم في الوجه من الكبائر؛ لأنه استحق اللعن. تحريم ضرب الوجه للحيوانات. الأمر بالرفق بالحيوان. رياض الصالحين.