الحلقة (170) باب تغليظ تحريم الربا
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا لرجلين من قريش سماهما فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما. رواه البخاري. من فوائد الحديث: تحريم التعذيب بالنار في الدنيا أو التحريق. جواز الحكم بالشيء اجتهادًا ثم الرجوع عنه. استحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الالتباس. كراهية قتل مثل البرغوث أو القمل في النار. دليل على نسخ السنة بالسنة. جواز الاستنابة في إقامة الحدود. طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها. جواز نسخ الحكم قبل العمل به أو قبل التمكن من العمل به. دليل على أن التعذيب بالنار من خصوصيات الله يعذب بها الكفار. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار. رواه أبو داود. قوله: قرية نمل، معناه موضع النمل مع النمل. الحمرة: طائر صغير كالعصفور. تعرش: أي ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها. قرية النمل: أي مسكنها وبيتها. من فوائد الحديث: دليل على الاستتار عن القوم عند قضاء الحاجة. فيه الحث على الرأفة والرحمة بالحيوان. عدم جواز فجع الأم برضيعها. حرمة التحريق حتى للحيوانات والحشرات. التعذيب بالنار من خصوصيات رب العالمين، فلا ينبغي لأحد أن ينازعه صفة من صفاته. باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وقال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع. متفق عليه. معنى أُتبع: أُحيل. المطل: تأخير ما استحق أداؤه مع القدرة على ذلك. مليء: أي غني قادر على الوفاء. من فوائد الحديث: الحث على حسن التعامل بين الناس. تحريم المطل بالدين إذا استحق عليه وقدر على أدائه. المعسر لا يُحبس ولا يُطالب حتى يوسر. إرشاد إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زجر عن المماطلة، وهي تؤدي إلى ذلك. الأمر بقبول الحوالة. باب كراهة عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له. وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها، وكراهة شرائه شيئًا تصدق به من الذي تصدق عليه، أو أخرجه عن زكاة أو كفارة أو نحوها، ولا بأس بشرائه من شخص آخر قد انتقل إليه. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه، متفق عليه. وفي رواية: مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله. وفي رواية: العائد في هبته كالعائد في قيئه. من فوائد الحديث: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، والحديث ظاهره في التحريم، وقد وقع التشديد في التشبيه من وجوه: الأول: تشبيهه الراجع بالكلب. الثاني: تشبيهه المرجوع به بالقيء. وهذا التشديد أبلغ في الزجر وأدل على التحريم من لفظ التحريم الصريح، لأن هذا التشبيه يدل على مثل السوء، وليس للمؤمن مثل السوء. لا ينبغي للمسلم الاتصاف بصفة ذميمة يشابه فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله، ولذلك جاء في رواية. ليس لنا مثل السوء. الزجر أشد في التحريم من النهي. الهبة التي يحرم الرجوع فيها هي ما كانت لغير الولد، ويدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه. متفق عليه. قوله: حملت على فرس في سبيل الله، معناه تصدقت به على بعض المجاهدين. أضاعه، أي لم يكرمه بالإطعام وقصر في خدمته. من فوائد الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: وإن أعطاكه بدرهم، دليل على تملك الهبة، وأن مالكها حر في التصرف فيها. بيع الهبة أو الصدقة للواهب أو المتصدق حرام. تحريم الرجوع في الصدقة. بيان فضل الحمل في سبيل الله والإعانة على الغزو بكل شيء. باب تأكيد تحريم مال اليتيم. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. وقال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات. متفق عليه. الموبقات: المهلكات. المحصنات: أي الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك. الغافلات، أي الغافلات عن الفواحش. التولي يوم الزحف، أي الهروب من المعركة عند لقاء الجيش المسلم جيش الكفار. من فوائد الحديث: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أُخبر فيه بشدة العقاب، أو عُلِّق عليه الحد، أو شُدِّد النكير عليه، فهو كبيرة. الكبائر أكثر من المذكورات، ومن تتبع القرآن والسنة وجدها كذلك. أعظم الذنوب الشرك بالله، أن تتخذ لله نداً وهو خلقك. المذكورات في الحديث من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر. إرشاد المؤمنين إلى طرق الخير والبعد عن القبائح والشرور. المعاصي تتفاوت في الإثم عند الله. لفظ الزجر، والأمر بالاجتناب، أشد في التحريم من النهي. انتشار هذه الموبقات في المجتمعات من أسباب الضلال والانحراف والانحلال والاختلاف. باب تغليظ تحريم الربا. قال الله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يمحق الله الربا ويربي الصدقات، إلى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا. وأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة، منها حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله. رواه مسلم. زاد الترمذي وغيره: وشاهديه وكاتبه. آكل الربا أي آخذه وإن لم يأكله، موكله أي معطيه وإن لم يعطه. من فوائد الحديث: تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين، تحريم الشهادة على مبايعة المترابيين، تحريم الإعانة على الباطل والإثم والعدوان، تغليظ تحريم الربا؛ لأنه لعن الله الكاتب والشاهدين مع أنهما لا يصيبهما منه شيء، فلعن المباشر له من آخذ أو معط يكون أشد ومن باب أولى. رياض الصالحين.