الحلقة (173) باب تحريم وصل الشعر والوشم

رياض الصالحين · المقطع 173 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر، وهو تحديد الأسنان. قال الله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. عن أسماء رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها، وإني زوجتها، أفأصل فيه؟ فقال: لعن الله الواصلة والموصولة. متفق عليه. وفي رواية: الواصلة والمستوصلة. قولها فتمرق هو بالراء، ومعناه انتثر وسقط. الواصلة: التي تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر آخر، والموصولة. التي يوصل شعرها، والمستوصلة التي تسأل من يفعل ذلك لها. وعن عائشة رضي الله عنها نحوه، متفق عليه. الحصبة: بثور تخرج في الجسد. من فوائد الحديث: تحريم الوصل بصريح العبارة، ومن ذلك ما يسمى الباروكة. جواز لعن من فعل ذلك. الوصل من الكبائر؛ لأنه استحق اللعن. المعين على الحرام يشارك فاعله في الإثم، كما أن المعاون في الطاعة يشارك في ثوابها. الوصل حرام، سواء كان لعذر أو عرس أو غيره. وعن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية رضي الله عنه عام حج على المنبر، وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم. متفق عليه. قصة: أي خصلة من الشعر. حرسي: أي غلام الأمير كالشرطي. من فوائد الحديث: طهارة شعر الآدمي لعدم الاستفصال. جواز إبقاء الشعر وعدم وجوب دفنه. قيام الإمام بالنهي على المنبر، لا سيما إذا رآه فاشيًا، فيفشي إنكاره تأكيدًا ليحذر منه. إنذار من عمل المعصية بوقوع الهلاك بمن فعله قبله من الأمم السابقة. جواز تناول الشيء في الخطبة ليراه من لم يكن رآه للمصلحة الدينية. إباحة الحديث عن بني إسرائيل وكذا غيرهم من الأمم للتحذير مما وقعوا فيه. اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر وإزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن توجب ذلك عليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، متفق عليه. من فوائد الحديث: تحريم الوصل والوشم، تحريم فعل ذلك أو أن يفعل ذلك بشخص آخر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله. قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. متفق عليه. المتفلجة هي التي تبرد من أسنانها ليتباعد بعضها من بعض قليلاً وتحسنها، وهو الوشر. والنامصة هي التي تأخذ من شعر حاجب غيرها وترققه ليصير حسناً. والمتنمصة هي التي تأمر من يفعل بها ذلك. الواشمة هو غرز إبرة أو نحوها في جسد المرأة حتى يسيل الدم، ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل فيخضر. النمص إزالة الشعر ونتفه من الجسد، ولا يختص بالحاجب والوجه. من فوائد الحديث: تحريم الوشم والتنميص والتفلج على الفاعل والمفعول به سواء. تحريم تغيير خلق الله تعالى؛ لأنه تزوير وتدليس. جواز لعن من لعنه الله ورسوله. حجية السنة ثابتة بالكتاب، ولذلك استدل ابن مسعود على حجيتها بقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. باب النهي عن نتف الشيب من اللحية والرأس وغيرهما. وعن نتف الأمردي شعر لحيته عند أول طلوعه. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: النهي عن نتف الشيب. الشيب نور وبهاء للمؤمن في الآخرة، ووقار وهيبة في الدنيا. نتف الشيب نوع من التدليس والتزوير. الشيب نذير للمرء، فهو أمارة على طول العمر والشيخوخة، فعندما يراه العبد يتذكر الآخرة، ويقلع عن المعاصي، ويستعد للقاء الله. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. رواه مسلم. باب كراهة الاستنجاء باليمين، ومس الفرج باليمين من غير عذر. عن أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه. ولا يتنفس في الإناء، متفق عليه. وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة. من فوائد الحديث: النهي عن الاستنجاء وأخذ الذكر باليمين، النهي عن التنفس داخل الإناء. الإسلام دين النظافة، وقد حرص على البعد عن كل مستقذر، ولذلك خصص اليمين للأمور الكريمة من أكل وشرب ومصافحة، وجعل الشمال لما سوى ذلك. باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر، وكراهة لبس النعل والخف قائماً لغير عذر. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمش أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليخلعهما جميعاً. وفي رواية: أو ليحفهما جميعاً. متفق عليه. لينعلهما جميعاً، أي ليلبس النعلين في كلتا رجليه. ليخلعهما جميعاً، أي لينزع النعلين من كلتا رجليه، ومثله ليحفهما. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها. رواه مسلم. الشسع هو أحد سيور النعل مدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل. من فوائد الحديث: النهي عن المشي وإحدى الرجلين في نعل والأخرى حافية؛ لأن النعل شُرعت لوقاية الرجل من الأذى كالشوك وغيره، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، وفي هذا ظلم لإحدى رجليه وإمكانية حصول الأذى لها. قد يدخل في هذا كل لباس شفع كالخفين، وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، ولبس الرداء على أحد المنكبين دون الآخر، إذ الأصل العدل بين الجوارح؛ لأن ذلك من حق بدنك عليك، فأعط كل ذي حق حقه، والله أعلم. حصول خلل في النعل لا يسوغ المشي في نعل واحدة، بل ينبغي التحفي حتى يصلحها. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائماً. رواه أبو داود. ينتعل: أي يدخل رجله في النعل. من فوائد الحديث: كراهية الانتعال قائماً، واستحباب القعود عند الانتعال. الأمر في الحديث للإرشاد؛ لأن لبسها قاعداً أسهل وأمكن. اهتمام الإسلام بالآداب في كل شأن من حياة المسلم، ليبدو المسلم على أحسن حال وأجمل صورة. باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه، سواء كانت في سراج أو غيره. عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون. متفق عليه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال: إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها. متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاءً ولا يفتح باباً ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ويذكر اسم الله. فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ. رواه مسلم. الفويسقة: الفأرة، وتضرم أي تحرق، أوكئوا أي اربطوا. السقاء هو ظرف من الجلد يوضع فيه الماء. من فوائد الأحاديث: في حديث ابن عمر الأول النهي عن ترك النار في البيوت عند النوم، وفي حديث أبي موسى الثاني فيه بيان حكمة النهي، وهي خشية الاحتراق؛ لأن النار عدو لكم. وفي حديث جابر الثالث فيه بيان علة الخشية المذكورة، وأن الفأرة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت. حرص الإسلام على حفظ مصالح العباد الدنيوية والدينية. الأمر بإطفاء النار أعم من نار السراج، بل يتعدى لكل مشتعل؛ لأن ذلك ربما أدى إلى الاحتراق أو الاختناق. استحباب تغطية أوعية الطعام وسد خزانات المياه صونًا لها عن الحشرات والأوساخ، وكل ما يؤذي ويستقذر. استحباب إغلاق أبواب البيوت احتياطًا من اللصوص والفساق وكل خطر يتوقع. ذكر اسم الله يحول بين الشيطان وبين فعل هذه الأشياء، فمن لم يذكر اسم الله مكنه منها. رياض الصالحين.