الحلقة (174) باب تحريم النياحة على الميت

رياض الصالحين · المقطع 174 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب النهي عن التكلف، وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة. قال الله تعالى: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. عن عمر رضي الله عنه قال: نهينا عن التكلف. رواه البخاري. من فوائد الحديث: يكره كثرة السؤال والتنطع، وتكلف ما لا يعنيه، سواء أكان ذلك في الأمور الدينية أو الدنيوية. وعن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. رواه البخاري. من فوائد الحديث: النهي عن التكلف في المسائل العلمية والتعنت في الاستفسار، الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التكلف والتعمق والتعنت. ينبغي على العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أدري، أو لا أعلم، وهذا لا ينقص قدر العالم شيئًا، بل هو من ورعه ودينه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم. باب تحريم النياحة على الميت، ولطم الخد وشق الجيب، ونتف الشعر وحلقه، والدعاء بالويل والثبور. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الميت يعذب في قبره بما نِيح عليه، وفي رواية: ما نِيح عليه، متفق عليه. ما نِيح عليه من النياحة، والنياحة هي البكاء على الميت مع ارتفاع الصوت وذكر صفات الميت، والمراد مدة النياحة عليه. من فوائد الحديث: تحريم النياحة على الميت، حيث ورد الوعيد الشديد على ذلك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية، متفق عليه. الجيوب جمع جيب، وهو ما يفتح من الثوب من جهة العنق ليدخل فيه الرأس. والمراد بشقه إكمال فتحه إلى الآخر، وهو من علامات التسخط. دعوى الجاهلية هي الندب، كقولهم: واجبلاه، واسنداه، إلى آخر ذلك. من فوائد الحديث: المبالغة في رجع الواقع في مثل ذلك. جواز هجر من فعل ذلك والإعراض عنه، فلا يختلط بجماعة السنة تأديبًا له على ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرأ من فعله وصنيعه. تحريم الادعاء بدعوى الجاهلية من النياحة والندبة ونحوهما. بيان فضل من صبر واحتسب عند المصائب، وأظهر الرضا عند نزول القضاء. وعن أبي بردة رضي الله عنه قال: وجع أبو موسى، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. متفق عليه. الصالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والندب، والحالقة. التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها، أفاق، أي صحا من إغمائه. الرنة هو صوت مع البكاء فيه ترجيع. الندب، أي تعداد أوصاف الميت. من فوائد الحديث: تحريم النياحة وحلق شعر الرأس وشق الجيوب عند نزول مصيبة الموت. ينبغي على العبد الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتبرأ مما تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة. متفق عليه. وعن أم عطية نسيبة رضي الله عنها قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز مبايعة النساء، وبيعتهن بالكلام، ولم يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يد امرأة عند البيعة ولا غيرها. استحباب المبايعة على ترك المحرمات. البيعة عقد شرعي وميثاق رباني على طاعة الله ورسوله. النياحة من أخلاق الجاهلية التي ينبغي على المسلم أن يخلعها عندما يرتدي لباس الإسلام. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أُغمي على عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك. رواه البخاري. تعدد عليه، أي تذكر شمائله على طريقة الجاهلية. أأنت كذلك؟ سؤال استنكاري للتقريع والتوبيخ. من فوائد الحديث: تحريم الندب للميت، تحريم الدعاء صفات ليست في المرء، سواء من قبل نفسه أو من غيره. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: اشتكى سعد بن عبادة رضي الله عنه شكوى، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: أقضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلَمَّا رَأَى القومُ بُكاءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بَكَوْا، قال: ألا تسمعون؟ إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ بدمعِ العينِ ولا بحزنِ القلب، ولكن يُعذِّبُ بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم، واتفقوا عليه. وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: النائحةُ إذا لم تتب قبل موتها تُقام يومَ القيامةِ وعليها سِربالٌ من قطرانٍ ودرعٌ من جرب. رواه مسلم. السربال: أي القميص. قطران: هو سائلٌ أسودُ مُنتِنٌ يُساعد على إشعال النار، وتُصلى به الإبلُ من الجرب. الجرب: هو داءٌ يصيب الجلد ويترك فيه حُفَر. من فوائد الحديث: تحريم النياحة وتغليظ ذلك. صحة التوبة ما لم يمت المكلف أو يصل إلى الغرغرة. الجزاء من جنس العمل، فدموع النائحة تكون كالقطران يوم القيامة، وتُشعل النار وتُسعرها، وثيابها التي شققتها داءٌ وبلاءٌ عليها. وعن أُسيد بن أبي أُسيد التابعي، عن امرأةٍ من المبايعات قالت. كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا ألا نعصيه فيه، ألا نخمش وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، وألا ننثر شعرا. رواه أبو داود. ألا نخمش، أي ألا نجرح، والخمش جرح في ظاهر البشرة بالظفر، وهو لطم الخدود. لا ندعو ويلا، أي لا ندب بيا ويلاه. ننثر شعرا، أي ننفش ونمزق. من فوائد الحديث: تحريم الخمش والندب ونثر الشعر عند المصائب. استحباب البيعة على ترك المحرمات وفعل الطاعات. وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، وسيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟ رواه الترمذي. اللهز هو الدفع بجمع اليد في الصدر. من فوائد الحديث: الميت الذي لا يتبرأ من هذه الأمور قبل موته، وهو يعلم أن أهله يفعلون ذلك عادة، يعذب بذلك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت. رواه مسلم. رياض الصالحين.