الحلقة (177) باب كراهة الخصومة في المسجد
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب النهي عن البصاق في المسجد، والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه، والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار. عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها. متفق عليه. والمراد بدفنها إذا كان المسجد ترابًا أو رملًا ونحوه، فيواريها تحت ترابه. قال أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه البحر: وقيل المراد بدفنها إخراجها من المسجد. أما إذا كان المسجد مبلطًا أو مجصصًا فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجهال، فليس ذلك بدفن، بل زيادة في الخطيئة، وتكثير للقذر في المسجد. وعلى من فعل ذلك أن يمسحه بعد ذلك بثوبه أو بيده أو غيره، أو يغسله. البصاق ومثله البزاق، وهو ما يخرج من الإنسان عندما يتنخم. دفنها: أي يواريها أو يزيلها. خطيئة، أي ذنب يترتب عليه إثم. من فوائد الحديث: وجوب تنزيه المساجد عن القاذورات والأوساخ، والمحافظة على نظافتها؛ لأنها بيوت الله. تحريم إلقاء الأقذار في المساجد من بصاق ونخامة وتفل وغيرها. يجب على من ألقى قذراً في المسجد أن يسارع إلى إزالته وتنظيف المسجد حتى تبرأ ذمته من الإثم المترتب على إلقاء الأذى في بيوت الله. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في جدار القبلة مخاطاً أو بزاقاً أو نخامة، فحكه، متفق عليه. المخاط هو ما يخرج من الأنف، البزاق هو ما يخرج من الفم، النخامة هي ما يخرج من الصدر، فحكه أي أزاله بالحك. من فوائد الحديث: استحباب المسارعة في إزالة القاذورات من المسجد، والحث على تنزيهه من ذلك. أعظم درجات تغيير المنكر باليد. تحريم المخاط أو البصاق أو النخامة في المسجد. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. لا تصلح، أي لا يليق بها. من فوائد الحديث: إثبات نجاسة بول الآدمي، الحث على احترام المساجد وتنزيهها من الأقذار، الحث على إعمار بيوت الله بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى وحلقات العلم النافع. باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا. رواه مسلم. ينشد، أي يطلب. الضالة: الضائع من الحيوان وغيره. من فوائد الحديث: النهي عن نشد الضالة في المسجد، المساجد بنيت للعبادة والذكر والعلم. تحريم التشويش على المصلين. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك الدعاء لمن نشد ضالة بعكس مقصوده وضد مطلوبه، تبكيتًا عليه وزجرًا له. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك. رواه الترمذي. يبتاع: أي يشتري. من فوائد الحديث: النهي عن البيع والشراء ونشد الضالة في المساجد. النهي للتحريم؛ لأنه على الأصل، ويزداد عمقًا بتأكيد الزجر، والدعاء لمن فعل ذلك بعكس مقصوده وضد مطلوبه. جواز الدعاء على أهل المعاصي والشهوات بضد مطلوبهم. المساجد أسواق الآخرة، فمن آدابها تنزيهها عن أمور الدنيا، ومما لا علاقة له بالآخرة. وعن بريدة رضي الله عنه أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدت. إنما بنيت المساجد لما بنيت له. رواه مسلم. دعا إلى، أي تعرف على، لما بنيت له، أي للذكر والصلاة وقراءة القرآن وحلقات العلم والتعلم. من فوائد الحديث: المساجد بنيت لمصالح المسلمين في الدنيا والآخرة، فلا يجوز تحويلها لمصلحة شخص أو حزب أو طائفة. الحث على الدعاء بعدم رد ضالة من نشدها في المسجد. يستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وغيرها من الأذكار، وكذلك قراءة القرآن، وتدارس الحديث النبوي، وعلم الفقه، وسائر العلوم الشرعية. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، أو ينشد فيه شعر. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: النهي عن التجارة الدنيوية، ونشد الضالة، وإنشاد الشعر في المساجد. يجوز إلقاء الشعر في المسجد إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، أو تحريض على قتال عدو، أو هجاء المشركين. كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت بهجاء الكفار. وعن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري. حصبني، أي رماني بالحصباء، وهي الحصى الصغار. من فوائد الحديث: النهي عن رفع الأصوات في المساجد خشية التشويش. جواز العقوبة البدنية من الحاكم أو من ينيبه لمن خالف أمر الله تعزيرًا له. الرفق بالجاهل وتعليمه آداب المساجد. يُعذر الجاهل بجهله، ولذلك عذرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنهم من أهل الطائف، حيث استدل بذلك أنهم يجهلون آداب المسجد. جواز لفت انتباه رجل بقذف حصى صغار من غير ضرر، ولا يعد ذلك من الخذف المنهي عنه. باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيره مما له رائحة كريهة عند دخول المسجد قبل زوال رائحته إلا لضرورة. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أكل من هذه الشجرة، يعني الثوم، فلا يقربن مسجدنا. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: مساجدنا. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن ولا يصلين معنا. متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين: البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد. أمر به فأخرجا إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا. رواه مسلم. ما أراهما، أي لا أعلمهما، خبيثتين، أي رديئة الطعم مستكرهة الرائحة، فليمتهما، أي فليزل رائحتهما. من فوائد الحديث: النهي خاص لمن أراد دخول المسجد، وليس على الإطلاق؛ لأن هذه البقول حلال في أصلها. النهي عن أكلهما عند الحضور إلى المساجد؛ لأن رائحتها خبيثة، ولذلك يلحق بها كل ذي ريح كريه مثل الفجل والدخان وغير ذلك. الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. الإسلام حريص على تآلف أتباعه وإبعاد كل ما من شأنه تنفيرهم أو تفريق جماعتهم. باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب؛ لأنه يجلب النوم، فيفوت استماع الخطبة، ويخاف انتقاض الوضوء. عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. رواه أبو داود والترمذي. الحبوة. أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما فيه مع ظهره، ويشده عليه، وقد يكون بيده عِوَضًا عن الثوب. من فوائد الحديث: النهي عن الاحتباء أثناء خطبة الجمعة. الاحتباء مظنة النوم، ولذلك يفوت استماع الخطبة، وقد ينقض الوضوء. الحث على الانتباه للخطيب يوم الجمعة، وعدم التشاغل عن ذلك، ليحصل المقصود من الاستماع إليه. باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي عن أخذ شيء من شعره أو أظفاره حتى يضحي. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي. رواه مسلم. ذبح: هو ما يُذبح من الأضاحي وغيرها من الحيوان، فلا يأخذن، أي لا يقصن. من فوائد الحديث: نهي من وجبت عليه الأضحية ورأى هلال ذي الحجة أن يأخذ شيئًا من أظفاره وشعره. رياض الصالحين.