الحلقة (178) باب النهي عن الحلف بمخلوق
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب النهي عن الحلف بمخلوق، كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والآباء، والحياة والروح والرأس، وحياة السلطان ونعمة السلطان، وتربة فلان، والأمانة، وهي من أشدها نهيًا. عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. متفق عليه. وفي رواية في الصحيح: فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت. الحلف هو القسم واليمين، ليصمت أي ليسكت. من فوائد الحديث: تحريم الحلف بالآباء وغيرهم من المخلوقين، اليمين والقسم لا يكون إلا بالله، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت بالقصد عن الحلف بغير الله. وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الطواغي جمع طاغية، وهي الأصنام، ومنه الحديث: هذه طاغية دوس، أي صنمهم ومعبودهم. وروي في غير مسلم بالطواغيت، جمع طاغوت، وهو الشيطان والصنم. من فوائد الحديث: تحريم الحلف بالطواغيت والآباء وغير ذلك ممن لا يستحق التعظيم، لأن الذي يستحق التعظيم هو العلي العظيم وحده لا شريك له. وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف بالأمانة فليس منا. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى أو بصفاته، وليس منها الأمانة، وإنما هي من أمره، فالحلف بها يوهم مساواتها لأسماء الله تعالى وصفاته. تحريم الحلف بغير الله تعالى، ومنها الأمانة. وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا. رواه أبو داود. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. قال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. رواه الترمذي. وفسر بعض العلماء قوله: كفر أو أشرك على التغليظ، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الرياء شرك. من فوائد الحديث: النهي عن الحلف بغير الله مهما كان المحلوف به عظيماً أو له منزلة كبيرة، كالكعبة والأنبياء والأولياء وغيرهم. الحلف بغير الله شرك أو كفر، وذلك كالحلف بالشرف والأولاد أو رحمة أبيهم، فإن هذا كله من شرك الألفاظ. شرك الألفاظ قد يكون كفراً أكبر ينقل من الملة إذا استحل المرء ذلك أو استهان أو استهزأ. باب تغليظ اليمين الكاذبة عمداً. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان. قال. ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا إلى آخر الآية، متفق عليه. حلف، أي أقسم يمينًا بغير حقه، أي وهو غير محق في يمينه. من فوائد الحديث: تغليظ تحريم اليمين الكاذبة وهو يعلم، تحريم أكل أموال الناس بالباطل، إثبات صفة الغضب لله، عرض الدنيا زائل ومتاعها قليل وطالبها حقير ذليل، اليمين الكاذبة تستوجب العقاب الشديد من الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. القرآن والسنة يفسر بعضهما بعضًا ويؤيد كل منهما الآخر، فلا تعارض ولا اختلاف؛ لأنهما من مشكاة الوحي. وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ. رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس. رواه البخاري. وفي رواية: أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس. قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم، يعني بيمين هو فيها كاذب. باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثم يكفر عن يمينه. عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب الحنث باليمين إذا كان عدم إنفاذها أفضل عند الله منها. من حنث بيمينه لزمته كفارة اليمين. الكفارة مترتبة على الحنث وليس العكس. الحديث دليل لقاعدة المصالح والمفاسد التي عليها مدار الشريعة، فتقديم المصلحة الراجحة هو المعتبر، وكذلك درء المفسدة الراجحة. وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يلج أحدكم في يمينه في أهله آثم له عند الله تعالى من أن يعطي كفارته التي فرض الله عليه. متفق عليه. قوله يلج: أي يتمادى فيها ولا يكفر. وقوله آثم، أي أكثر إثماً. من فوائد الحديث: من حلف يميناً تتعلق بأهله بحيث يتضررون بعدم حنثه فيه، فينبغي أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه. فإن قال: لا أحنث، بل أتبرع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم، فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث وإقامة الضرر لأهله أكثر إثماً من الحنث، ولا بد من تنزيله على ما إذا كان الحنث لا معصية فيه. الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة راجحة. الحث على إبعاد الضرر عن الأهل ورعايتهم بمنهج الله لا بالأهواء المضطربة. الرجوع عن الخطأ خير من التمادي فيه، ولا يعد ذلك عيباً يقدح في فاعله، بل هو منقبة لا يقدر عليها إلا فحول الرجال الذين يقدمون الحق على أنفسهم التي بين جنوبهم. باب العفو عن لغو اليمين، وأنه لا كفارة فيه، وهو ما يجري على اللسان بغير قصد اليمين، كقوله على العادة: لا والله، وبلى والله، ونحو ذلك. قال الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: أُنزلت هذه الآية: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ، في قول الرجل: لا والله، وبلى والله. رواه البخاري. من فوائد الحديث: بيان سعة رحمة الله بعباده وعظيم لطفه، وأنه أرحم بهم من أنفسهم. اليمين الذي يقع في الكلام مثل لا والله، وبلى والله، وما شابهها من الألفاظ التي تجري على اللسان دون قصد، لا يؤاخذ الله به. تفسير اللغو في اليمين، وأنه اليمين الذي يقع دون قصد، وليس كما قيل: هو في الهزل أو في المعصية، أو على غلبة الظن، أو في الغضب، أو في النسيان، أو على ترك المأكل والمشرب والملبس. باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. الحَلِفُ منفقةٌ للسلعة، ممحقةٌ للكسب، متفقٌ عليه. منفقةٌ، أي مظنةٌ لرواجها وموضعٌ له. ممحقةٌ للكسب، أي مذهبةٌ للبركة والزيادة. وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق. رواه مسلم. من فوائد الأحاديث: الحث على ترك الحلف في البيع؛ لأن فيه مضار، منها: جعل اسم الله تعالى آلةً لترويج البضاعة وجلب متاع الدنيا الزائل، ويعد هذا امتهانًا لاسمه تبارك وتعالى. الحلف بالله في البيع إن كان صادقًا فهو مكروه، وإن كان كاذبًا فيمين غموس، نسأل الله العافية. الحلف بالله في البيع قد يروج البضاعة ويكثر البيع، ولكنه يمحق الربح. البركة في الأشياء ليست بكثرتها وشهرتها ورواجها، وإنما في فائدتها وثمرتها. رياض الصالحين.