الحلقة (180) باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم قوله لمسلم: يا كافر. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. متفق عليه. باء: أي رجع. وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه. متفق عليه. حار: أي رجع. من فوائد الأحاديث: الزجر الشديد عن قول المسلم لأخيه: يا كافر. فتنة التكفير لا يسلم منها أحد الرجلين، فإن كان أخوه ليس كما قال، فإن تكفيره إياه يرجع إليه. باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء. رواه الترمذي. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه. رواه الترمذي. الفحش: أي القول البذيء. شانه: أي عابه وجعله ناقصًا. زانه: أي جمله وجعله كاملًا. من فوائد الحديث: ذم الفحش وحض على تركه؛ لأن الفاحشة يجرؤ على الوقوع في النقائص والمعايب وخوارم المروءة. ما خالط الفحش شيئًا من أمور العباد إلا جعله سيئًا بغيضًا. مدح للحياء وحض على التحلي به. الحياء يحمل على ترك ما يلام العبد على فعله، ويبعد المرء عن ملابسة العيب والنقص، ولذلك ما وجد الحياء في شيء إلا زانه وجمله في نظر العباد. باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم. عن ابن مسعود رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثا. رواه مسلم. المتنطعون: المبالغون في الأمور. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة. رواه أبو داود والترمذي. يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة، أي يتشدق بلسانه في الكلام، ويلفه كما تلف البقرة الكلاء بلسانها لفا. من فوائد الحديث: يكره التقعير في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون وزخارف القول، فكل ذلك من التكلف المذموم. وكذلك تحري دقائق الإعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام. التشدق والتفيهق في الكلام سبب بغض الله تعالى لذلك المتفاصح، ومؤد إلى خذلانه وإهانته وحرمانه، وهذا يدل على أن النهي للتحريم. ينبغي على المسلم أن يبقى على سجيته وطبيعته في الكلام، في غير تظاهر بالفصاحة والمنطق وتكلف البلاغة. لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب، لأن المقصود تهييج القلوب إلى طاعة الله عز وجل، ولحسن اللفظ أثر ظاهر لا ينكره إلا مكابر. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. رواه الترمذي. باب كراهة قوله خبثت نفسي. عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي. متفق عليه. قال العلماء: معنى خبثت: غثت، وهو معنى لقست، ولكن كره لفظ الخبث. من فوائد الحديث: يكره استخدام الألفاظ السيئة من الأقوال في وصف حال المسلمين. الحث على الأدب في النطق مع كل الأشياء حتى مع النفس. استحباب تغيير الاسم القبيح، وهجران اللفظ السيئ في جميع الأحوال. لا ينبغي للمسلم أن يصف نفسه بالخبث؛ لأن الله كرمه، ومن فعل ما نهي عنه فقد كان عونًا للشيطان على نفسه. باب كراهة تسمية العنب كرمًا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم المسلم. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية: فإنما الكرم قلب المؤمن. وفي رواية للبخاري ومسلم: يقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن. لا تسموا، أي لا تطلقوا عليها هذا الاسم، فإن الكرم المسلم، أي أن المسلم هو المستحق لهذا الاسم. وعن وائل بن حجر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا العنب والحبلة. رواه مسلم. الحبلة: شجر العنب. من فوائد الأحاديث: يكره تسمية العنب كرمًا. العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم، لكثرة منافعها وخيرها، فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها، ومحبة ما يتخذ منها من المسكر، وهو أم الخبائث، فكره أن يسمي أصله بأحسن الأسماء وأجمعها للخير. كانوا يسمون شجرة العنب كرماً لكثرة منافعه، وقلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه، فإن المؤمن خير كله ونفع. باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج لذلك لغرض شرعي، كنكاحها ونحوه. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها. متفق عليه. تباشر أي تنظر إليها أو تمس بشرتها، فتعرف نعومتها أو ما فيها من المحاسن الظاهرة والخفية، كأنه ينظر إليها، أي كأنه يشاهدها. من فوائد الحديث: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، فإن الحكمة في النهي خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور. فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة. هذا الحكم يشمل تحريم مباشرة المرأة للمرأة، وكذلك الرجل للرجل. تحريم نظر المرأة إلى عورة المرأة، وكذلك نظر الرجل إلى عورة الرجل. يجب على النساء المسلمات أن لا يكشفن عن مفاتنهن وحسنهن أمام النساء، ألا تلا يتورعن في ذكر محاسنهن للرجال. باب كراهة قول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت، بل يجزم بالطلب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه. ليعزم المسألة هو الجزم في طلبها والقطع بها من غير ضعف أو تعليق على المشيئة. يعظم الرغبة أي يجتهد ويلح ويبالغ في مطلوبه. وعن أنس رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له. متفق عليه. من فوائد الأحاديث: استحباب الجزم في المسألة وتعظيم الرغبة، والنهي عن الضعف في الطلب. كراهة تعليق المسألة على مشيئة الله سبحانه وتعالى، لما في ذلك من إيهام الاستغناء عن حصول المطلوب، وإيهام التخفيف على الله سبحانه وتعالى، وهو لا مكره له، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكل الخلق مفتقر إليه. ينبغي على الداعي الاجتهاد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله، فإنه يدعو كريما. باب كراهة قول: ما شاء الله وشاء فلان. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: تحريم إشراك العبد مع الله غيره لفظا أو معنى. الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في شؤون العباد، المدبر لأمورهم، لا شريك له في ذلك. لا يجوز عطف مشيئة العبد على مشيئة الرب تبارك وتعالى بالواو؛ لأنها تفيد المشاركة في الحكم وغيره. الصواب عطف مشيئة العبد على مشيئة الرب بـثم، التي تفيد الترتيب مع التراخي، وهذا هو الحق، فإن مشيئة الله تعالى سابقة لمشيئة العبد، ومشيئة العبد مترتبة على مشيئة الله، فلا يكون إلا ما شاء الله، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. رياض الصالحين.