الحلقة (181) باب كراهة الحديث بعد العشاء

رياض الصالحين · المقطع 181 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة. والمراد به الحديث الذي يكون مباحًا في غير هذا الوقت، وفعله وتركه سواء. فأما الحديث المحرم أو المكروه في غير هذا الوقت، فهو في هذا الوقت أشد تحريمًا وكراهة. وأما الحديث في الخير، كمذاكرة العلم، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف، ومع طالب حاجة، ونحو ذلك، فلا كراهة فيه، بل هو مستحب. وكذا الحديث لعذر وعارض لا كراهة فيه. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على كل ما ذكرته. عن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها. متفق عليه. من فوائد الحديث: كراهة النوم قبل العشاء خوفًا من فوات وقتها. كراهة الحديث والسمر بعد العشاء خشية التأخر في النوم، مما يؤدي إلى عدم الاستيقاظ وفوات صلاة الفجر. الحث على المحافظة على الصلوات في وقتها، والتحذير من تركها أو التشاغل عنها، أو معاطاة ما يؤدي إلى ذلك. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: أرأيتم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد. متفق عليه. أرأيتم، أي أخبروني. من فوائد الحديث: جواز الحديث بعد العشاء بالعلم لما يترتب على ذلك من خير. يلحق بهذا ما يترتب عليه مصلحة، كالحديث مع الزوجة ومداعبتها إيناسًا لها وتلطفًا بها. الحث على التبكير في عمل الخيرات وعدم تأخيرها؛ لأن المنية قد تفجأ العبد وهو لا يدري. بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعمار أمته قصيرة دون أعمار من سبقهم من الأمم الماضية. الحديث من دلائل النبوة، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مغيب ووقع كما أخبر، فإن آخر من ضبط ممن كان موجودًا أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد اتفق أهل العلم على أنه آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه أنه مات سنة مائة وعشرة، وذلك على رأس مائة سنة من مقالته صلى الله عليه وسلم. وعن أنس رضي الله عنه أنه منتظر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءهم قريبًا من شطر الليل فصلى بهم، يعني العشاء، قال: ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة. رواه البخاري. شطر الليل، أي نصفه. من فوائد الحديث: استحباب تأخير صلاة العشاء، آخر وقت العشاء هو نصف الليل، جواز التحدث بعد العشاء بالخير ومذاكرة العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتظار الصلاة فيه خير عظيم، فإن المنتظر يحصل له أجر الصلاة ما دام في مصلاه، فضل الله على عباده عظيم، وذلك أنه يعطيهم الأجر ما داموا في انتظار الصلاة، وإن أكلوا وشربوا في ذلك الوقت. باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذا دعاها ولم يكن لها عذر شرعي. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح. متفق عليه. وفي رواية: حتى ترجع. باب تحريم صوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه. متفق عليه. باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار. متفق عليه. من فوائد الحديث: تحريم سبق الإمام في الصلاة؛ لأن ذلك مبطل لوظيفة الإمام، وهي أنه جعل ليؤتم به. جواز حصول المسخ في هذه الأمة. دليل على جهل من سبق الإمام وعدم فقهه؛ لأن الحمار مشهور بالبلادة. باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. نُهِيَ عن الخصر في الصلاة، متفق عليه. الخصر: أي وسط الإنسان. من فوائد الحديث: النهي عن الاختصار في الصلاة. التخصر في الصلاة من صفات أهل الكبر. باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه، أو مع مدافعة الأخبثين، وهما البول والغائط. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان. رواه مسلم. بحضرة طعام: أي بوجوده مع الرغبة فيه. الأخبثان: أي البول والغائط. من فوائد الحديث: كراهة الصلاة مع وجود شاغل عنها مذهبٍ لخشوعها، كالجوع مع حضور الطعام، والعطش مع وجود الشراب. كراهة الصلاة لمن كان به حاجة إلى البول أو الغائط، لما في ذلك من تشويش على الذهن، وإشغال للقلب المانع للخشوع. تقل الكراهة كلما ضاق الوقت، فمن خشي فوات الصلاة وخروج وقتها، فإنه يصليها في وقتها، ثم يأكل ويشرب ويستفرغ، والله أعلم. باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم. رواه البخاري. ما بال، أي ما شأن. لتخطفن أبصارهم، أي تسلب فلا ترجع إليهم. من فوائد الحديث: تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة، ودليل التحريم اشتداد قول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتوعد من فعله بأن يُخطف بصره ولا يرجع إليه. المؤاخذة على الفعل تكون بعد العلم بتحريمه. باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. رواه البخاري. الاختلاس هو الأخذ بسرعة على غفلة. من فوائد الحديث: النهي عن الالتفات في الصلاة لغير حاجة. الالتفات في الصلاة إشغال من الشيطان للعبد حتى يذهب خشوعه، ولذلك فالالتفات من غير عذر فيه دلالة على الغفلة ونقص الخشوع. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: هذا الحديث ضعيف لا حجة فيه، ولذلك فالالتفات لا يجوز في المفروضة أو النافلة على حد سواء، وبخاصة أن أحاديث النهي عن الالتفات في الصلاة عامة، والله أعلم. باب النهي عن الصلاة إلى القبور. عن أبي مرثد كناز بن الحصين رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: تحريم الصلاة إلى القبور، تحريم الجلوس على القبور، لا يجوز تعظيم القبور واتخاذها مساجد مما يؤدي إلى الشرك، ولا يجوز امتهانها وإهانتها. لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ حُرْمَةً فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ. بَابُ تَحْرِيمِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي. عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ، عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ الرَّاوِي: لَا أَدْرِي، قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، أَيْ لَوْ عَلِمَ مِقْدَارَ الْإِثْمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، لَاخْتَارَ أَنْ يَقِفَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ الْإِثْمُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَحْرِيمُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، سَوَاءً أَكَانَتِ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَسَوَاءً أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ. جَوَازُ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي بَابِ الْوَعِيدِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ. بَابُ كَرَاهَةِ شُرُوعِ الْمَأْمُومِ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، سَوَاءً كَانَتِ النَّافِلَةُ سُنَّةَ تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرَهَا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. رواه مسلم. المكتوبة أي المفروضة، والمراد الصلاة الحاضرة من الصلوات الخمس التي أقيم لأدائها. من فوائد الحديث: لا تجوز النافلة وقد أقيمت الصلاة المفروضة، سواء شرع بها قبل الإقامة أو بعدها. استحباب قطع النافلة حال إقامة الصلاة المكتوبة. الزجر عن الاختلاف على الأئمة ومخالفتهم. استحباب التفرغ للصلاة المكتوبة وعدم الانشغال عنها بغيرها، ولو كان طاعة في غير هذا الوقت، ومن ذلك حضورها في وقتها والمحافظة على أعمالها. رياض الصالحين.