الحلقة (185) باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فرارًا منه، وكراهة القدوم عليه. قال الله تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. وقال تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال لي عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعُ لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر رضي الله عنه في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. وكان عمر يكره خلافه. نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه وانصرف. متفق عليه. والعدوة: جانب الوادي. سَرْ: منزل من منازل حاج الشام على ثلاثة عشر مرحلة من المدينة النبوية. الأجناد: مدن أهل الشام: فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين. الوباء: أي الطاعون. مصبح على ظهر: أي راجع إلى المدينة. من فوائد الحديث: مشروعية المناظرة والمشاورة في النوازل والأحكام. حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة على التشاور والتناصح وبذل الخير من وجوهه، كما قال تعالى: وأمرهم شورى بينهم. الاختلاف لا يوجب حكماً، وإنما يوجبه الاتفاق. وجوب الرجوع إلى النص والعمل به إذا بلغ، وعدم التردد في تنفيذه. العلم الممدوح حامله هو الكتاب والسنة، ولذلك لا يطلق مسمى العلم على الحقيقة إلا عليهما. ويظهر هذا في وصف عبد الرحمن بن عوف للحديث الذي يحمله بأنه علم، فقال: إن عندي من هذا علماً. السنة قد تخفى على كبار الصحابة رضي الله عنهم، ويظهر هذا في خفاء هذا الحديث النبوي عن السواد الأعظم من المهاجرين والأنصار، بل على مشيخة قريش. ولذلك قد يكون عند العالم ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه. يجب على حكام المسلمين أن يحرصوا على سلامة الأمة، ويأخذوا برعايتها وحمايتها من مواطن الهلاك، وعدم التفريط في حقوقها. الإسلام وضع قواعد الحجر الصحي، فمنع الدخول على الوباء والفرار منه. إثبات للعدوى وانتشار المرض بإذن الله لا بذاته. كل ما يفعله العبد أو يتركه معلوم لله تعالى، فلا يخرج شيء عن قدره، ولكن العبد مأمور شرعًا باتقاء مواطن الهلكة وموارد الخطر. الامتناع عن دخول الأرض التي حل فيها الطاعون لا ينافي التوكل على الله. استحباب حمد الله عند الوصول إلى الحق ومعرفة الصواب. استحباب الصفح عن خطأ العالم وزلته إن خالف الصواب. ولذلك لم يؤاخذ عمر رضي الله عنه أبا عبيدة في اعتراضه. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها. متفق عليه. باب التغليظ في تحريم السحر. قال الله تعالى. وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات. متفق عليه. باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. متفق عليه. من فوائد الحديث: وجوب تعظيم كتاب الله، وعدم تعريضه لأماكن التهلكة والاستهانة. تحريم السفر بالقرآن إلى بلاد العدو؛ لئلا يتمكنوا منه فيهينوه. باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال. عن أم سلمة رضي الله عنها. أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: هن لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة. متفق عليه. وفي روايةٍ في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها. وعن أنس بن سيرين قال: كنت مع أنس بن مالك رضي الله عنه عند نفرٍ من المجوس، فجيء بفالوذج على إناءٍ من فضة، فلم يأكله، فقيل له: حوِّله، فحوَّله على إناءٍ من خَلنج، وجيء به فأكله. رواه البيهقي. الخلنج: الجفنة. فالوذج: نوعٌ من الحلوى. خَلنج: أي شجرٌ بين صفرةٍ وحمرة، تتخذ من خشبه الأواني. الجفنة إناء أكبر من الصحفة. من فوائد الحديث: الطعام الحلال الموضوع في صحاف الذهب والفضة لا يحرم بذاته، وإنما يحرم الأكل فيها، فإذا حول إلى آنية أخرى فلا بأس به. من دعي إلى طعام في آنية منهي عنها فلا يجوز له الأكل حتى يوضع في إناء غيره. المسلم إذا علم حكمًا شرعيًا انقاد له وطبقه. باب تحريم لبس الرجل ثوبًا مزعفرًا. عن أنس رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل. متفق عليه. يتزعفر: أي يصبغ ثوبه أو يطلي جسمه بالزعفران. الزعفران: نبت ذو لون أصفر يصبغ به. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما. قال: بل أحرقهما. وفي رواية فقال: إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها. رواه مسلم. معصفرين، أي مصبوغين بالعصفر. العصفر نبت أصفر معروف. من فوائد الحديث: النهي عن لبس الثياب المزعفرة أو المعصفرة. هذا النهي خاص بالرجال؛ لأن الثياب المصبوغة بذلك مما يتزين به النساء. تحريم تشبه الرجال بالنساء في اللباس. تحريم التشبه بالكفار في لباسهم. وجوب المحافظة على الشخصية المسلمة متميزة في كل شؤونها. باب النهي عن صمت يوم إلى الليل. عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يُتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل. رواه أبو داود. قال الخطابي في تفسير هذا الحديث: كان من نسك الجاهلية الصمات، فنُهوا في الإسلام عن ذلك، وأمروا بالذكر والحديث بالخير. يُتم: أي الانفراد، واليتيم من مات أبوه وهو صغير دون البلوغ. صمات: أي سكوت يوم إلى الليل. وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب. فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت. رواه البخاري. من عمل الجاهلية، أي من عبادتهم التي يزعمون أنها تقربهم إلى الله. من فوائد الحديث: وجوب مخالفة أعمال الجاهلية وأحوالها. ارتفاع اسم اليتيم بالبلوغ، ويقتضي ذلك ارتفاع أحكامه. ليس من شعائر الدين التعبد بالصمت والإمساك عن الكلام، فإنه حرام. المستحب التكلم بالخير من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إفشاء السلام أو تعليم الناس، وإلا فلا. من حلف ألا يتكلم يستحب له الكلام، ولا كفارة عليه. الأحاديث الواردة في فضل الصمت لا تعارض هذه الأحاديث لاختلاف المقاصد في ذلك، لأن الصمت المستحب هو ترك الكلام في الباطل، والصمت المنهي عنه ترك الكلام المباح والتعبد بذلك. رياض الصالحين.