الحلقة (186) باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه، وتوليه إلى غير مواليه. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام. متفق عليه. ادعى: أي انتسب كاذبًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر. متفق عليه. من فوائد الحديث: تحريم الانتساب إلى غير الآباء مع العلم بهم، فمن فعل ذلك مستحلًّا له كفر كفرًا ينقله من الملة. حرص الإسلام على المحافظة على الأنساب. وجوب بر الوالدين. وعن يزيد بن شريك بن طارق قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه على المنبر يخطب، فسمعته يقول: لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَأَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ: أَيْ عَهْدُهُمْ وَأَمَانَتُهُمْ. وَأَخْفَرَهُ: أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ. وَالصَّرْفُ: التَّوْبَةُ. وَقِيلَ: الْحِيلَةُ. وَالْعَدْلُ: الْفِدَاءُ. أَسْنَانُ الإِبِلِ: أَيْ بَيَانُ أَعْمَارِهَا الَّتِي تُؤَدَّى دِيَةً فِي الْقَتْلِ. عَيْرٌ وَثَوْرٌ: جَبَلَانِ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. أَحْدَثَ: أَيْ ابْتَدَعَ. الذمة، أي العهد. الصرف، أي الفريضة. العدل، أي النافلة. من فوائد الحديث: لم يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل البيت بشيء من العلم دون الناس، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كتم شيئًا عن الناس. جواز كتابة العلم، وأن السنة كتب بعضها زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. جواز لعن أهل البدع. ذمة المسلمين سواء، صدرت من واحد منهم أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمَّن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمة، لم يكن لأحد نقضه، لأن المسلمين كنفس واحدة. تحريم نقض العهد وإخفار ذمة المسلم. من نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره، فيستحق بذلك الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. المدينة حرم ما بين حرتيها وحماها كله، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعرف رجل بعيره، ولا يحمل فيها سلاح لقتال. هكذا حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة. جواز الحلف للتأكيد أو لنفي أمر غير صحيح. تحريم الابتداع في دين الله، وأن المبتدع مطرود من رحمة الله تعالى. تحريم إيواء أهل البدع وتوقيرهم، لأن ذلك ثلم في الدين وتعظيم للفاسقين. بيان شرف المدينة وفضلها، ولذلك عظم المعصية فيها. وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه. متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم. يتبوأ مقعده من النار، أي يأخذ منزله من النار. دعا رجلاً بالكفر، أي قال له: يا كافر. حار عليه، أي رجع إليه. من فوائد الحديث: تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره. الإثم في ذلك يترتب على العلم بالشيء والتعمد على فعله. أطلق الشرع لفظ الكفر على بعض المعاصي تغليظاً لحرمتها وتأكيداً على ذلك. من استحل شيئًا من ذلك فقد كفر وخلع ربقة الإسلام من عنقه. تحريم الدعاوى الباطلة كلها علمًا وتعليمًا ونسبًا وولاءً. تحريم اتهام المسلمين بالكفر أو رميهم بمعاداة الله، ومن فعله مع من لم يستحق ذلك كان هو أولى بذلك. باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم عنه. قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. وقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. وقال تعالى: وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه. متفق عليه. باب ما يقول ويفعله من ارتكب منهيًّا عنه. قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ. وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق. متفق عليه. أقامرك، أي أراهنك. من فوائد الحديث: وجوب الرجوع عن المعصية في حال اقترافها بغير علم أو سبق لسان. حرمة الحلف بالأصنام، وأنه مما يخرج العبد من الملة. تحريم القمار بكل صوره وأشكاله. الدعوة إلى المعاصي معصية أخرى. من وقع في سيئة عليه أن يتبعها حسنة، لأن الحسنات يذهبن السيئات. كفارة الحلف بالأصنام قول لا إله إلا الله. كفارة الدعوة إلى المراهنة الصدقة. رياض الصالحين.