الحلقة (187) باب المنثورات والملح (1)

رياض الصالحين · المقطع 187 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب المنثورات والملح. باب المنثورات والملح. عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحلنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله تعالى المسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فينزل عند المنارة البيضاء. شرقية دمشق بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى صلى الله عليه وسلم قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم: أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى الله تعالى، فيرسل الله تعالى عليهم النغف في رقابهم. فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى الله تعالى، فيرسل الله تعالى طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله عز وجل مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: مِنْ خُلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، أَيْ مِنْ طَرِيقٍ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ: عَاثَ، الْعَيْثُ هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ. وَالذُّرَى هُوَ أَعَالِي الْأَسْنِمَةِ، وَهُوَ جَمْعُ ذِرْوَةٍ. وَالْيَعَاسِيبُ ذُكُورُ النَّحْلِ. وَجَزْلَتَيْنِ، أَيْ قِطْعَتَيْنِ. وَالْغَرَضُ: الْهَدَفُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ بِالنُّشَّابِ، أَيْ يَرْمِيهِ رَمْيَةً كَرَمْيَةِ النُّشَّابِ إِلَى الْهَدَفِ. وَالْمَهْرُودَةُ هِيَ الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ. قَوْلُهُ: لَا يَدَانِ، أَيْ لَا طَاقَةَ. وَالنَّغَفُ دُودٌ. وَفَرْسًا جَمْعُ فَرِيسٍ وَهُوَ الْقَتِيلُ. وَالزَّلَقَةُ هِيَ الْمِرْآةُ. وَالْعِصَابَةُ الْجَمَاعَةُ. وَالرِّسْلُ اللَّبَنُ. وَاللِّقْحَةُ اللَّبُونُ. وَالْفِئَامُ الْجَمَاعَةُ. وَالْفَخِذُ مِنَ النَّاسِ دُونَ الْقَبِيلَةِ. خَفَّضَ فِيهِ وَرَفَعَ، أَيْ حَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ، ثُمَّ عَظَّمَهُ وَفَخَّمَهُ لِعِظَمِ فِتْنَتِهِ. حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، أَيْ حَتَّى تَوَهَّمْنَا أَنَّهُ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ نَخْلِ الْمَدِينَةِ. قَطَطٌ، أَيْ شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعَرِ. عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، أَيْ ذَهَبَ نُورُهَا، أَوْ بَارِزَةٌ وَفِيهَا بَصِيصٌ مِنْ نُورٍ. عبد العزى بن قطن، رجل من بني المصطلق من خزاعة، هلك في الجاهلية. استدبرته الريح، أي جاءت بعده فجففته، والمراد بيان سرعة إفساده في الأرض. فتروح، أي ترجع عليهم. سارحتهم، أي المال السائم. وأسبغه ضروعًا، أي أطوله لكثرة اللبن. أمده خواصر، أي لكثرة امتلائها من الشبع. يصبحون، أي يصيرون. ممحلين، أي ينقطع عنهم المطر وتيبس الأرض والكلأ. الخريبة، الموضع الخراب. ممتلئ شبابًا، أي في عنفوان شبابه. قطر، أي قطر الماء منه. جمان كاللؤلؤ، أي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. والمراد ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. لد، بلدة قريبة من بيت المقدس في فلسطين. حدب، أي غليظ الأرض ومرتفعها. ينسلون، أي يسرعون. والمراد يظهرون من كل مكان. طبرية، هي بلدة مطلة على البحيرة في طرف الجبل، وهي اليوم تحت سيطرة اليهود لعنهم الله، وطهر البلاد منهم ومن أنصارهم وأشياعهم ومحبيهم. زهمهم، أي ريحهم المنتنة، كموت نفس واحدة، أي يموتون دفعة واحدة. المدر هو الطين الصلب، الوبر هو الخباء. يتهارجون تهارج الحمر، أي يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس كما تفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك. من فوائد الحديث: إثبات ظهور الدجال، وبيان عظم فتنته، وأنها أشد فتنة تمر بالمسلمين. من صفات الدجال: شديد جعودة الشعر، عينه كالعنبة الطافية، فهي بارزة ذهب نورها لأنه أعور. يخرج الدجال بين العراق والشام. يمكث الدجال أربعين يوماً في الأرض، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه مثل أيام الناس. فساده يملأ الأرض بسرعة مذهلة، حيث لا يأمن مؤمن من شره، ولا يخلو من فتنته موطن خلا مكة والمدينة، فإنه لا يطؤها. يُعطى من الآيات العجيبة فتنةً للعباد مثل سرعته في الأرض، وإنزال المطر، وكنوز الأرض تتبعه كما يتبع النحل أميره. جواز تعظيم شأن الكذاب والدجال لبيان شدة فتنته وتحذير الأمة منه. وجوب تحذير الأمة الإسلامية من الدجاجلة، ولذلك فاضت السنة المطهرة تحذيرًا وإخبارًا ووصفًا، ولم تترك مجالًا لذلك. شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته، وخوفه عليهم من الدجاجلة الذين يأتون من بعده. رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى حجة وبيان من الدجال، فلو ظهر في زمنه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم غالبه لا محالة، ومبطل حجته، ومدحض محجته، وقامع دعوته. سعة رحمة الله تعالى بالمؤمنين، حيث زودهم بسلاح يبطل حجج الدجال، ومن ذلك بيان صفاته مما يدل على كذبه ودجله، وقدرة المؤمن على قراءة ما كتب على جبينه مما يدل على كفره، وحفظ فواتح سورة الكهف عاصم من شره، فمن أدركه فليقرأها عليه. الحث على الثبات في الفتن، وعدم الزيغ يمنة أو يسرة، أو الرجوع القهقرى. بيان فضل سورة الكهف، وأن فواتحها حرز ووقاية من فتنة الدجال. حب الصحابة رضي الله عنهم للعلم، حيث كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء يخفى عليهم، من شدة حرصهم على الطاعات وبعدهم عن المعاصي، ويظهر ذلك لما أخبرهم أن يومه كسنة. فَمَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ شَعَرُوا أَنَّهُ يَوْمٌ طَوِيلٌ، لَا تَكْفِي فِيهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَقَطْ كَالْيَوْمِ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ فَضْلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَسَبْقَهُمْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. إثبات نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، والأخبار في ذلك متواترة. بيان أن عيسى عليه السلام هو الذي يقتل الدجال. بيان عظم يأجوج ومأجوج، وأن فتنتهم تملأ الأرض، وأنهم من علامات الساعة الكبرى. بيان مآل الذين ثبتوا على الدين وكفروا بالدجال الأكبر: الجنة، كما يبشرهم عيسى عليه السلام بذلك، ويحدثهم بمنازلهم ودرجاتهم في الجنة. مهما اشتد بأس الناس فإنهم ضعاف محتاجون لله رب العالمين. يظهر ذلك لمن تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، ثم يرسل عليهم النغف فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. المال عند الشدة والجوع لا يساوي شيئًا. المسلمون يقبضون في آخر الزمان، ولا يبقى إلا شرار الناس، قد قل حياؤهم وخفت أحلامهم، يتهارجون كالبهائم ويتسافدون كالحمر، وعليهم تقوم الساعة. من فقه النوازل أن الصلاة في البلاد التي يطول فيها الليل إلى أكثر من يوم من أيام الناس، كالمناطق القطبية أو القريبة منها، حيث يستمر الليل شهور، وكذلك النهار، أن العبادات تُقدَّر فيها تقديرًا على أقرب بلد ينتظم فيه تعاقب الليل والنهار. وكذلك في قضاء الصيام، حيث ينعدم تعاقب الليل والنهار، فالمسلم يقدر لعبادته قدرها، ويمكن ضبط ذلك بالساعات. حدوث الأمر الخارق على يد عبد من العباد لا يدل على صلاحه، وإنما الواجب عكس المسألة. عند حصول الأمر الخارق يُنظر إلى سلوك العبد، هل يتوافق مع الشريعة؟ فتوزن أعماله وأخلاقه ومعتقداته بميزان الشرع، فإن كان على صراط مستقيم عُلِم من ذلك أن هذا الخارق أمر أكرمه الله به، وإن لم يكن كذلك عُلِم أنه استدراج من الله تعالى. أهمية البركة في الأشياء، وأن القليل منها يكفي الكثير، ولذلك عندما تعطي الأرض بركتها، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. بركة الأرض مودعة فيها بإذن ربها. ولكن يد الإنسان التي تعبث بها وتفسدها وتلوثها تنزع ذلك منها. ينبغي على عباد الله اعتزال الفتن الصماء، ولذلك أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. الفتن والشدائد والمحن لا تزيد المؤمن إلا بصيرةً وثباتًا على الحق. رياض الصالحين.