الحلقة (188) باب المنثورات والملح (2)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن ربيع بن حراش قال: انطلقت مع أبي مسعود الأنصاري إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، فقال له أبو مسعود: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال. قال: إن الدجال يخرج، وإن معه ماءً ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماءً فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب، فمن أدركه منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب. فقال أبو مسعود: وأنا قد سمعته. متفق عليه. من فوائد الحديث: تعظيم فتنة الدجال ليحذره أهل الإيمان. يُعطى الدجال من خوارق العادات ما لا يحدث لغيره. يأتي الدجال الناس بما يحبون ويكرهون بالماء والنار، فالناس بعادتهم يكرهون النار ويحبون الماء العذب، وهو معه هذان النوعان. الدجال ماؤه نار، وناره ماء عذب، وهو لا يملك إلا الصورة في الظاهر. ولكنه في الحقيقة مغاير لذلك. ينبغي على من أدرك فتنة الدجال ورأى ذلك أن يقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضت، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا. وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق، ويصعق الناس حوله، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس، هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق. رواه مسلم. الليت: صفحة العنق، ومعناه: يضع صفحة عنقه ويرفع صفحته الأخرى، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، أي يكونون في سرعتهم إلى الشر وقضاء الشهوة والفساد كطيران الطير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السباع العادية. دار رزقهم: أي ينتفعون به. يلوط حوض إبله: أي يطينه ويصلحه. أصغى: أي أمال. الطل: أي كمني الرجال. أخرجوا بعث النار. أي أهلها المبعوثون إليها، وذلك يوم يكشف عن ساق، أي عن ساق الرب تبارك وتعالى، كما هو في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين. من فوائد الحديث: تعيين مدة مكث الدجال في الأرض، وأنه يلبث أربعين يوماً. وقول الراوي: لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً، لا يضر، فإن حديث النواس بن سمعان المتقدم عيَّن ذلك، وبيَّن بأنه يمكث أربعين يوماً. تأكيد نزول عيسى عليه السلام، وأنه يقتل الدجال بباب لد. لا تناقض بين نزول عيسى عليه الصلاة والسلام وكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين؛ لأن عيسى عليه السلام لا ينزل بشرع جديد ينسخ شريعة الإسلام، بل ينزل متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحكم بشريعته كتاباً وسنة، ويحيي من أمور الشرع ما هجره الناس. الإسلام والسنة ينزعان الحقد والغل والشحناء من صدور أتباعها، ولذلك يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. أهل الإيمان يُقبضون قبل قيام الساعة. لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق الذين يتميزون بحب الفاحشة وظلم بعضهم بعضاً. ولذلك هم لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. للشيطان قدرة على التشكل في صورة الإنسان. غاية الشيطان من الإنسان أن يشرك بالله الذي خلقه ويعبد الأوثان والأصنام. يُصعق كل من سمع النفخة الأولى. النفخة الثانية تكون لإحياء الموتى وبعث من في القبور. إثبات المعاد والحشر والحساب، وأن العبد مسؤول عن عمله في الدنيا. إثبات صفة الساق لرب العالمين، ولكن نذكر قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لكي لا نعطل ولا نشبه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسهما، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج الله منها كل كافر ومنافق. رواه مسلم. نقب أي خرق. السبخة هي أرض ذات نز وملح لا تنبت، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة. من فوائد الحديث. فتنة الدجال تملأ الأرض، ويبتلى أهلها بذلك إلا مكة والمدينة. الملائكة تحرس مكة والمدينة، يمنعون الدجال من دخولهما. المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد، ولذلك ترجف ثلاثا، لتنبذ الدجال كل منافق مارق، وكافر مكافح، ليلتحق به، ويبقى الإيمان فيها. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا، عليهم الطيالسة. رواه مسلم. الطيالسة جمع طيلسان، وهو ثوب يلبس على الكتف، يحيط بالبدن، ينسج للبس، خال من التفصيل والخياطة. من فوائد الحديث: أتباع الدجال من اليهود قاتلهم الله، وفي هذا تنبيه على مكرهم وخبثهم، وأنهم يسعون لتدمير العالم، ولذلك يركبون كل موجة ويستغلون كل فرصة لتمرير مكرهم وتحقيق أهدافهم. أهل البدع والفجور والفسق يتخذون شعارا يميزهم عن غيرهم، وشعار أتباع الدجال لبس الطيلسان. أشار بعض أهل العلم إلى كراهة لبس الطيلسان من أجل ذلك. وعن أم شريك رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لَيَفِرَّنَّ الناسُ من الدجال في الجبال. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ينبغي الهروب والابتعاد عن مواطن الفتن. بيان عظم فتنة الدجال وشدة شرها. وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال. رواه مسلم. أمر أكبر من الدجال، أي أكبر فتنة وأعظم شوكة. من فوائد الحديث: فتنة الدجال أعظم فتنة من خلق الناس إلى قيام الساعة. لا ينجو من شرها إلا اليسير ممن يدركها، وهم الذين عصمهم الله وثبتهم على الإسلام والسنة. رياض الصالحين.