الحلقة (190) باب المنثورات والملح (4)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، ما به إلا البلاء. متفق عليه. يتمرغ: أي يتقلب بالتراب. وما به إلا البلاء: أي الحامل له على تمني الموت البلاء وكثرة المحن والفتن. من فوائد الحديث: كثرة الفتن واشتداد البلايا وازدياد الشرور والآثام في آخر الزمان. الرجل يتمنى الموت ليس لأمر ديني، وإنما لاشتداد الفتن في ذلك الزمان. ليس في الحديث جواز تمني الموت، وإنما إخبار عما سيقع في آخر الزمان. إذا ظهرت الفتن واشتد البلاء وأحس العبد أنه لا طاقة له به، فليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وأمتني إذا كان الموت خيرًا لي. رؤية القبور تذكر بالموت وما بعده. ولذلك شُرِعت زيارتها للاعتبار والاستغفار للمؤمنين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أن أكون أنا أنجو. وفي رواية: يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا. متفق عليه. يوشك: أي يقرب. ينحسر: أي ينكشف. من فوائد الحديث: تنبيه إلى قرب قيام الساعة، وأن الناس غافلون عما فيها من أهوال. إشارة إلى حب الناس وتنافسهم على كنز الذهب، وأنهم جُبلوا على الطمع والجشع، فلو كان لأحدهم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له وادٍ آخر. التنافس على حطام الدنيا وزينتها يفضي إلى البغي والاقتتال. إخبار عن أمر غيبي لم تنكشف حقيقته، ولذلك نؤمن به على ظاهره، وأنه حقيقة كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تأويل لذلك. حرمة الأخذ من ذلك المال والذهب. لقوله صلى الله عليه وسلم: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي، يريد عوافي السباع والطير، وآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحوشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما. متفق عليه. لا يغشاها، أي لا يقصدها. ينعقان، أي يصيحان بها. الثنية، أي الطريق في الجبل. من فوائد الحديث: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر غيبي يقع في آخر الزمان، وهو مما أوحاه الله إليه، وهو أن المدينة ستكون في أوفر عيش وأفضله، ثم يتركها أهلها إلى غيرها حتى لا يبقى فيها إلا الوحوش. إخبار عن آخر الناس حشرًا، ووصف دقيق لحالهما، حيث أخبر عن مهنتهما وهي الرعي، وعن قبيلتهما وهي مزينة، وعن قصدهما وهو المدينة، وعن آخر مكان يبلغانه وهو ثنية الوداع. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان يحثو المال ولا يعده. رواه مسلم. يحثو، أي يحفن بيديه. من فوائد الحديث: تبشير للمؤمنين بكثرة المال في أيديهم، وكذلك الغنائم من أعدائهم، وأن خلفاءهم في آخر الزمان ينفقون من المال دون عد أو حساب. إخبار عن عودة الخلافة الراشدة في آخر الزمان. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء. رواه مسلم. يلذن به، أي يعتصمن به. من فوائد الحديث: الحض على التبكير في إخراج الصدقات قبل أن لا يجد أحدًا يأخذ منه الصدقة. إشارة إلى كثرة المال بين يدي الناس حتى لا يُرى من يقبل الصدقة. إشارة إلى كثرة الحروب والملاحم في آخر الزمان، مما يؤدي إلى قتل الرجال، فلا يبقى إلا النساء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك، إنما اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب. وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكح الغلام والجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا. متفق عليه. العقار: كل ملك ثابت له أصل، كالضيعة والمنزل. من فوائد الحديث: بيان فضل الورع وترك ما فيه شبهة من المال، وجوب رد الحقوق إلى أهلها ممن وجد وعرف صاحبه، الحث على الصدق في التعامل، البيع يكون لما في العقد المبرم بين المتبايعين، ينبغي على المتخاصمين إنفاذ حكم الحكم الذي رضيا به. إذا لم يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. يجوز للحاكم الإصلاح بين الخصمين إذا ظهر له حسن حالهما وورعهما. استحباب نكاح أبناء الرجال الصالحين لبعضهم بعضا. لا يتم النكاح إلا بولي. الحث على التصدق والإنفاق في سبيل الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود صلى الله عليه وسلم، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، رحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى. متفق عليه. من فوائد الحديث: الفطنة والموهبة نعمة من الله تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره. جواز تحري الحق بالقرائن والحيل لاستخراج الحقوق. سليمان عليه السلام لم يعمد لنقض الحكم، وإنما احتال بحيلة ذكية لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، حيث دعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل المقصود لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها هو ابن الكبرى، لأنه علم أنها آثرت حياته، ولم يجد هذه القرينة عند الكبرى، مما دعاه للحكم به للصغرى. وعن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة. رواه البخاري. لا يباليهم الله بالة، أي لا يرفع لهم قدراً ولا يقيم لهم وزناً. حثالة، أي الرديء وسقط الناس. من فوائد الحديث: موت أهل العلم والصلاح والفضل من أشراط الساعة. الحث على التأسي بأهل الخير والفلاح والتشبه بالكرام، لئلا يصير ممن خالفهم ممن لا يعبأ الله بهم. لا يبقى في آخر الزمان إلا أهل الجهل ممن لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. وعليهم تقوم الساعة. وعن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة. رواه البخاري. من فوائد الحديث: بيان منزلة أهل بدر من الصحابة رضي الله عنهم. من شهد بدراً من الصحابة الكرام من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك من شهد بدراً من الملائكة. دليل على شهود الملائكة غزوة بدر. دليل على أن الملائكة تقاتل مع المؤمنين، وتثبت أقدامهم في قتالهم ضد أعداء الله. بيان أهمية غزوة بدر، لما كان فيها من نصرة للإسلام والمسلمين في بداية الدعوة الإسلامية، وكسر شوكة الذين كفروا. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أنزل الله تعالى بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم. متفق عليه. من فوائد الحديث. تحذير أكيد وتخويف عظيم لمن سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. النهي عن مجالسة أهل الظلم والمعاصي والفسوق. العذاب في الدنيا يعم الكافر والمؤمن الساكت عن الحق. يوم القيامة يبعث كل على عمله، فالمؤمن يبعثه على إيمانه، والكافر على كفره. رياض الصالحين.