الحلقة (191) باب المنثورات والملح (5)

رياض الصالحين · المقطع 191 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن جابر رضي الله عنه قال: كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في الخطبة، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل صوت العشار حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده عليه فسكن. وفي رواية: فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق. وفي رواية: فصاحت صياح الصبي، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر. رواه البخاري. جذع: أي ساق النخلة. العشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر حتى تلد. من فوائد الحديث: السنة في خطبة الجمعة أن تكون على المنبر. استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه. الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان. دلالة على عطف وشفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مع الجمادات، وبهذا يتضح أنه رحمة للعالمين. قلوب العباد تطمئن بذكر الله حتى الجذع حينما فقد هذه الطمأنينة حنَّ وأنَّ أنين الصبي الذي يسكت. هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. رواه الدارقطني. من فوائد الحديث: الحديث أشار إلى نبذ تشهد لها قواعد الشريعة. الحلال ما أحله الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. الحرام ما حرمه الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. لا ينبغي تضييع حدود الله ولا تجاوزها، بل الحق الوقوف عندها. سعة رحمة الله بعباده ولطفه بهم. ما سكت عنه الشرع إنما هو عافية للأمة، فعليها أن تقبل من الله عافيته، ولا تتنطع أو تتكلف في الدين، أو تسأل عن أشياء سكت عنها الشرع. ربنا أحصى كل شيء وأحاط به علماً، وما كان ربك نسياً. وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد، وفي رواية: نأكل معه الجراد. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز أكل الجراد كيفما مات. تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يشارك عامة المسلمين في مأكلهم ومشربهم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. متفق عليه. من فوائد الحديث: ينبغي أن يكون المؤمن حازماً حذراً، لا يؤتى من الغفلة، فينخدع مرة بعد مرة. أدب نبوي شريف أدب به الرسول صلى الله عليه وسلم أمته. كي تحذر مما تخاف سوء عاقبته. ليس من شيمة المؤمن أن ينخدع من الغادر اللئيم المتمرد، فلا يستعمل الحلم في حقه، بل ينتقم منه غضبًا لله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف. متفق عليه. رجل على فضل ماء، أي ماء فاضل عن حاجته. الفلاة، أي الأرض التي لا ماء فيها. ابن السبيل، أي المسافر. من فوائد الحديث: صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع فضل الماء. أفضل الصدقة سقي الماء. تغليظ تحريم الحلف كذبًا بعد العصر لإنفاق السلعة. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا وَقْتُ اجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَذَلِكَ خَتْمُ الْأَعْمَالِ. التَّشْدِيدُ فِي نَكْثِ الْبَيْعَةِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ. كُلُّ عَمَلٍ لَمْ يَقْصِدْ صَاحِبُهُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَرَضًا زَائِلًا أَوْ سَفَرًا قَاصِدًا، فَهُوَ فَاسِدٌ وَفَاعِلُهُ آثِمٌ. تَحْرِيمُ الْبُخْلِ وَالْغِشِّ وَالْغَدْرِ، وَبَيَانُ أَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ؛ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى فِعْلِهَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَبَيْتُ: أَيْ امْتَنَعْتُ عَنِ الْقَوْلِ بِتَعْيِينِ ذَلِكَ. عَجْبُ الذَّنَبِ: هُوَ عَظْمٌ لَطِيفٌ فِي أَصْلِ الصُّلْبِ، وَهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصِ. الْبَقْلُ: كُلُّ نَبَاتٍ اخْضَرَّتْ بِهِ الْأَرْضُ. من فوائد الحديث: ينبغي على العبد أن يمتنع عن الجواب إذا سئل عن شيء لا يعلمه. جميع الجسد يبلى إلا عجب الذنب، فهو الذي يبقى ليعاد تركيب الإنسان منه مرة أخرى. قدرة الله سبحانه وتعالى على النشأة الثانية، وبعث من في القبور ليوم البعث والحشر والنشور. بيان كيفية إعادة الخلق مرة أخرى، وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها كما وردت بها الأخبار الصحيحة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. رواه البخاري. وسد الأمر إلى غير أهله. أي أُسند الأمر إلى غير الأكفاء من الناس. من فوائد الحديث: جواز تكرار السؤال إذا لم يجب المسؤول. الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فهو لا يعلم إلا ما علمه الله. بيان أدب العالم والمتعلم، فأما العالم فقد تضمن ترك زجر السائل بالإعراض عنه أولًا حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إليه مجيبًا برفق ولين. وأما المتعلم فقد تضمن كراهة سؤال العالم وهو مشتغل بغيره، لأن حق الأول مقدم. يؤخذ منه ترتيب الدروس على السبق، وكذلك الفتاوى وفض الخصومات. جواز مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل ما يقوله العالم حتى يتضح له الجواب، وذلك لقول الأعرابي: كيف إضاعتها؟ بيان أن من وسائل التعليم والتعلم السؤال والجواب. استحباب العناية بجواب السائل، ولو لم يكن السؤال متعينًا ولا الجواب. جواز قطع الخطبة بسؤال، ولكن يقدر العالم هل يؤخر الإجابة أم يجيب على الفور، وذلك على حسب الحاجة، فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين. إخبار النبوي عن مآل العلم وأمور الناس. بأنها ستصبح بين أيدي الجهلة والسفلة، وذلك عند رفع العلم وفشو الجهل، وذلك من جملة أشراط الساعة. تنبيه للمسلمين بأخذ العلم عن الأكابر من ذوي الصلاح والفضل والعلم والإيمان، لأن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. رياض الصالحين.