الحلقة (192) باب المنثورات والملح (6)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم. رواه البخاري. يصلون لكم، أي الأئمة. من فوائد الحديث: خطأ الإمام لا يؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب. الإمام ضامن. رد على من زعم أنه إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم. بيان لبعض فضائل صلاة الجماعة، وحض على المحافظة عليها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. يأتون بهم في السلاسل، أي يأتون بهم أسرى مقيدين بالسلاسل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عجب الله عز وجل من قوم يدخلون الجنة في السلاسل. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. معناه: يُؤْسَرُونَ وَيُقَيَّدُونَ ثُمَّ يُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. من فوائد الحديثين: خير الأمم هذه الأمة المحمدية، حيث إنها تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، حتى لو كان ذلك بالقتال. الجهاد في سبيل الله غايته إخراج الناس من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده. إثبات صفة التعجب لله سبحانه وتعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: تعظيم لمكانة المساجد؛ لأنها بيوت الله، يُذكر فيها اسمه، وتؤدى فيها الصلوات، ويُقرأ فيها القرآن. تحذير من أماكن الغفلة كالأسواق، فهي محل الغش والخداع والربا، والأيمان الكاذبة وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله والنظر إلى المحرمات، وغير ذلك مما في معناه. إثبات صفتي الحب والبغض لله رب العالمين. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه من قوله قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. رواه مسلم هكذا، ورواه البرقاني في صحيحه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكن أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ. المعركة: موضع العراك لمقاتلة الأبطال. من فوائد الحديث: عدم المسارعة إلى أماكن الغفلة كالسوق لما فيه من المفاسد. النهي عن إطالة المكث لغير حاجة في الأسواق لما يترتب على ذلك من مفاسد ومنكرات. بيان للأماكن التي ينشط فيها الشيطان، حيث يحمل راية التحريش والأمر بالفحشاء والمنكر. في الأسواق تجتمع الشياطين مع أعوانهم، وهناك يتكاثرون. وعن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، غفر الله لك. قال: ولك. قال عاصم: فقلت له: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعامة المسلمين؛ لأنه أمر بذلك، فلا يتخلف عن أداء ما أمر به البتة. جواز إطلاق الآية على بعضها، لقول عاصم الأحول: ثم تلا هذه الآية. وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. رواه البخاري. من فوائد الحديث: الأمر بالحياء مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وتداوله الناس بينهم، وورثوه عنهم قرنًا بعد قرن، وهذا يدل على أن النبوة الأولى جاءت بهذا الكلام، وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة. أورد أهل العلم معنيين لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمراد: إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت. فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ مَا شَاءَ، فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ فِعْلِ الْقَبَائِحِ هُوَ الْحَيَاءُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَيَاءٌ انْهَمَكَ فِي كُلِّ فَحْشَاءَ وَمُنْكَرٍ. الْحَيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ، حَبَاهُ اللَّهُ بِهِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي، فَلَا يَكُونَ كَالْبَهِيمَةِ. قَوَاعِدُ السُّلُوكِ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ؛ لِأَنَّهَا مَحْفُورَةٌ فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ، وَلِذَلِكَ قَرَّرَ الْأَنْبِيَاءُ جَمِيعًا هَذِهِ الْخَاصِّيَّةَ، فَتَنَاقَلَتْهَا الرِّسَالَاتُ جَمِيعًا مِنَ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِلَى النُّبُوَّةِ الْخَاتِمَةِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَعْظِيمُ حُرْمَةِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَحْرِيمُ قَتْلِهَا إِلَّا بِالْحَقِّ. تَغْلِيظُ أَمْرِ الدَّمِ، فَإِنَّ الْبِدَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَهَمِّ، وَالذَّنْبُ يَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ وَتَفْوِيتِ الْمَصْلَحَةِ. لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حُقُوقِ الْخَالِقِ. وَحَدِيثُ الْبَابِ يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمَارِجُ هُوَ مُخْتَلِطٌ مِنْ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي النَّارِ، حَيْثُ تَرَى الْأَلْوَانَ الثَّلَاثَةَ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ، أَيْ مِنَ الطِّينِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَنْبِيهٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. بَيَانُ أَصْلِ تَكْوِينِ خَلْقَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسَانِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ هِدَايَةٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيَعْمَلَ النَّاسُ بِأَحْكَامِهِ، فَيُحِلُّوا حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ. وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُدْوَةٍ حَسَنَةٍ فِي تَطْبِيقِ ذَلِكَ، فَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ خَيْرَ قِيَامٍ، فَكَانَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مُطَبَّقًا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَاهُ النَّاسُ فَيَقْتَدُونَ بِهِ. مدحٌ لأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها كانت من مشكاة الوحي. تنبيه على منزلة الأخلاق في الإسلام، وأنها من مقتضيات كلمة التوحيد الطيبة التي تثمر عملاً صالحاً، وتعلي مكارم الأخلاق. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقلت: يا رسول الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت. قال: ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه. رواه مسلم. من فوائد الحديث: حب لقاء الله أو كراهية لقائه هي التي تكون عند النزع وخروج الروح، في حالة لا تُقبل التوبة، حيث يُبشَّر كل إنسان بما هو صائر إليه. كل إنسان يرى مقامه في حالة الاحتضار والنزع. حب لقاء الله أو كراهية لقائه. لا تعني تمني الموت أو كراهيته. وعن أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، فمر رجلان من الأنصار رضي الله عنهما، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا. متفق عليه. لأنقلب أي أرجع إلى البيت. على رسلكما أي على هيئتكما في المشي. من فوائد الحديث: جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع ضيفه والقيام معه والحديث إليه. إباحة خلوة المعتكف بزوجته وزيارة المرأة للمعتكف. حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على دفع الشبهات والتحرز مما يفضي إلى الإثم. وجوب التحرز من التعرض لسوء الظن وما يؤدي إلى الاعتذار. ينبغي على العلماء والدعاة ألا يعملوا عملاً يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك يفضي إلى الشك فيهم وعدم الانتفاع بعلمهم. جواز قول سبحان الله عند التعجب. رياض الصالحين.