الحلقة (193) باب المنثورات والملح (7)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والمشركون ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس، ناد أصحاب السمرة. قال العباس: وكان رجلاً صيتاً، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون. يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً. رواه مسلم. الوطيس: التنور، ومعناه اشتدت الحرب. حدهم: أي بأسهم. يركض بغلته: أي يضربها برجله الشريفة على كبدها لتسرع. قبل: أي جهة. أكفها: أي أمنعها. أصحاب السمرة: أي أصحاب بيعة الرضوان، وكانت عند سمرة. رجل صيت: أي قوي الصوت عاليه. عطفتهم: أي إقبالهم ورجوعهم. عطفة البقر على أولادها: تشبيه سرعة رجوعهم واجتماعهم على النبي صلى الله عليه وسلم بعطفة البقر على أولادها. كليلاً: أي ضعيفاً. من فوائد الحديث: تنبيه على شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقدامه في الحروب. بيان عطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد، حيث أخذ العباس بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ أبو سفيان بن الحارث بركابه. بيان سرعة رجوع المسلمين إلى الحق عند تذكيرهم به. المسلمون لم ينهزموا بعيدًا، لأن رجوعهم كان سريعًا. معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ليس في القوة البشرية إيصال حصيات إلى أعينهم جميعًا، ولا يسع كفه الشريف حصى بعددهم. القوة الحقيقية ليست في العدد والعدد، وإنما في الإيمان بالله تعالى وشدة التوكل عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء. يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك. رواه مسلم. إن الله طيب، أي أن الله تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها، لا يقبل إلا طيبًا، أي لا يقبل من الصدقات إلا ما كان حلالًا طيبًا، ومن الأعمال إلا ما كان خالصًا صوابًا. أشعث، أي متفرق شعر الرأس. أغبر، أي مغبر الوجه. فأنى يستجاب لذلك، أي كيف يستجاب الدعاء لذلك الرجل. من فوائد الحديث: صفات الله سبحانه وتعالى صفات كمال، منزهة عن النقص والعيب كله. الحث على الإنفاق من المال الحلال. يجب على المؤمن أن يكون مأكوله ومشروبه وملبوسه حلالًا خالصًا لا شبهة فيه. الأنبياء والمؤمنون سواء في أحكام الدين إلا ما كان من خصوصيات الرسل، ويستثنى ذلك بدليل خاص. كل الطيبات من الرزق مباحة للمؤمنين. من موانع استجابة الدعاء أكل المال الحرام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر. رواه مسلم. العائل: أي الفقير. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة. رواه مسلم. سيحان وجيحان نهران ببلاد الأرمن، وهما عظيمان جدا. الفرات: نهر يفصل بين الشام والجزيرة. النيل: نهر مصر. من فوائد الحديث: يؤخذ هذا الحديث على ظاهره، ولذلك فالأمر على حقيقته، والله أعلم بأسراره في خلقه. الجنة مخلوقة موجودة الآن. هذه الأنهار مباركة ميمونة. إشارة نبوية أن الإيمان يعم الأرض التي تجري فيها، فيسلم معظم أهلها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت. وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. من فوائد الحديث: إشارة إلى حسن لفت انتباه السامع ليفهم الكلام، وذلك بالأخذ بيده أو ما شابه ذلك. استحباب التأني وعدم العجلة في الأمور؛ لأن الله جل جلاله قادر على خلق هذه المخلوقات بكلمة، ولكن الحكمة بالغة حيث خلقها بالتدرج. ليس هناك تعارض بين القرآن وبين هذا الحديث، فالأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن هذا الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن ولا يخالفه. وعن أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. رواه البخاري. من فوائد الحديث. شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه وقوة بأسه وثباته في لجة الحروب، ولذلك لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيف الله المسلول. ثبات المسلمين في ساحات الوغى؛ لأنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. كثرة القتلى من الروم في معركة مؤتة، وإلا لمن قطع في يد خالد رضي الله عنه تسعة أسياف. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد فأخطأ فله أجر، متفق عليه. من فوائد الحديث: بيان مشروعية الاجتهاد ممن كان أهلاً لذلك، وكانت المسألة مما يجوز الاجتهاد فيه. لكل مجتهد من الأجر نصيب، وليس كل مجتهد مصيب؛ لأن الحديث أثبت خطأً وصواباً يقع للمجتهد، ومع ذلك أثبت للمصيب أجرين، وللمخطئ أجراً. الخطأ في الحكم مع تحري الحق لا يحتمل صاحبه ذل أهلية إثمًا، بل له أجر على تحريه وبذل جهده في الوصول إلى الحق. وعن عائشة رضي الله عنها. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء. متفق عليه. فيح جهنم، أي شدة حرها وفورانها. من فوائد الحديث: بيان أن الحمى من شدة حر جهنم، ولذلك إذا أصابت مؤمناً فهي حظه من النار. استحباب وضع الماء البارد على وجه المحموم وأطرافه تطبباً، وهذا الطب من الوحي الإلهي. وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صوم صام عنه وليه. متفق عليه. والمختار جواز الصوم عمن مات وعليه صوم لهذا الحديث، والمراد بالولي القريب، وارثاً كان أو غير وارث. رياض الصالحين.