الحلقة (194) باب المنثورات والملح (8)

رياض الصالحين · المقطع 194 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المنثورات والملح. وعن عوف بن مالك بن الطفيل أن عائشة رضي الله عنها حدثت أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة رضي الله تعالى عنها: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. قالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبدا، ولا أتحنث إلى نذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وقال لهما: أنشدكما الله لما أدخلتماني على عائشة رضي الله عنها، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا؟ قالت نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معها ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة رضي الله عنها، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. رواه البخاري. لا أحجرن عليها، أي لأمنعنها من التصرف في مالها. لا أشفع فيه أبدا، أي لا أقبل شفاعة أحد. لا أتحنث نذري، أي لا أكتسب الإثم بسبب الحنث في نذري. أنشدكما الله، أي أسألكما مقسما عليكما بالله تعالى. وطفق، أي أخذ. يناشدها، أي يسألها. خِمارَها، أي غطاءَ رأسِها وصدرِها. من فوائد الحديث: جواز الحجر على السفهاء الذين يهلكون أموالهم ويبددونها. جواز الهجر إذا كان لله تعالى، ويحرم فوق ثلاث ليال إذا كان لأمر دنيوي وحظ نفسي. بيان كيفية الاستئذان وأدبه، كما في قول المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ جواز اصطحاب ضيف زائر، فإن أُذن له بالدخول دخل، وإن لم يؤذن له رجع. المؤمنون إخوة، فينبغي الإصلاح بين المتخاصمين منهم. لا يجوز النذر في المعصية، ولذلك فالنذر لا يقع إلا في شيء حلال. من نذر فرأى غيره أفضل منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى قتلى أحد، فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع إلى المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا. ألا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه. وفي رواية: ولكنني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم. قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. وفي رواية قال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها. والمراد بالصلاة على قتلى أحد الدعاء لهم، لا الصلاة المعروفة. فَرَط: أي سابق لكم. التنافس: أي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه. من فوائد الحديث: مشروعية الصلاة على الشهداء والدعاء لهم. بيان بعض معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث عاين حوضه الشريف من مقامه في الدنيا. التنافس على زهرة الحياة الدنيا مهلكة للدين، مفرق للشمل. بشارة بدوام الإسلام وثبات المسلمين عليه بجملتهم. جواز توديع من شعر بقرب أجله لإخوانه وأصحابه. إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم المورود، وأنه موجود الآن. استحباب زيارة القبور والدعاء لأهلها، فإنها تذكر بالآخرة. وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا ما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا. رواه مسلم. من فوائد الحديث: شدة حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته أمور دينهم. شهادة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على بيضاء نقية. تفاوت الناس في الحفظ والفهم. أعلم الناس أحفظهم للعلم وأوعاهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. رواه البخاري. من فوائد الحديث: جواز النذر، وأنه من العبادات المشروعة. من نذر وكان نذره في طاعة فليفِ بنذره ولا يحنث. النذر في المعصية لا ينعقد. وعن أم شريك رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزار، وقال: كان ينفخ على إبراهيم. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة. وفي رواية: من قتل وزغًا في أول ضربة كتب له مائة حسنة. وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَزَغُ الْعِظَامُ مِنْ سَامِّ أَبْرَصَ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَتْلِ الْأَوْزَاغِ وَعَدَمُ تَرْكِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَتْلِهَا. بَيَانُ الْعِلَّةِ الَّتِي دَعَتْ إِلَى قَتْلِ الْأَوْزَاغِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى جَدِّ الْأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَمَا أُلْقِيَ فِيهَا. يَنْبَغِي قَتْلُ كُلِّ ضَارٍّ لِلْمُسْلِمِينَ. بَيَانُ أَجْرِ مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يَتَنَاقَصُ كُلَّمَا زَادَتِ الضَّرَبَاتُ. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى سُرْعَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهَا وَعَدَمِ إِمْهَالِهَا. رياض الصالحين.