الحلقة (197) باب الأمر بالاستغفار وفضله
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب الاستغفار. باب الأمر بالاستغفار وفضله. قال الله تعالى: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال تعالى: واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا. وقال تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. وقال تعالى: للذين اتقوا عند ربهم جنات، إلى قوله عز وجل: والمستغفرين بالأسحار. وقال تعالى: ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا. وقال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وقال تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن الأغر المزني رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم. رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: من أدب الدعاء أن يختم الداعي دعاءه بما يناسبه من أسماء الله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا. وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَغْلِيظُ حُرْمَةِ الْفِرَارِ مِنَ الْمَعْرَكَةِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجَيْشِ. تَعْظِيمُ الِاسْتِغْفَارِ وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ. فَضْلُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ. وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. أبو، معناه أقرَّ واعترف، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أي على ما عاهدتك عليه ووعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة ما استطعت إلى ذلك. من فوائد الحديث: هذا الدعاء جامع لمعاني التوبة كلها، مع الإقرار لله بالألوهية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أُخذ عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر النفس، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو. كل هذا مسبوك ببديع المعاني وأحسن الألفاظ، ولذلك سماه الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الاستغفار. لا يوجد عبد يستطيع أن يأتي بكل ما أمر به، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم على وجهها الأكمل والأمثل، ولذلك رفق الله بعباده، فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم. العبد يقر بنعم الله عليه، ولكنه لا يؤدي حق شكرها، ولذلك من اعترف بتقصيره وطلب المغفرة وجد الله غفورًا رحيمًا. هذا الحديث فيه كمال الأدب مع الله، حيث أضاف النعم إليه وحده لا شريك له، وأقر بالذنب ونسبه لنفسه. وعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. قيل للأوزاعي، وهو أحد رواته: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. رواه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. متفق عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا. لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً. رواه الترمذي. عَنَانَ السَّمَاءِ، قِيلَ هُوَ السَّحَابُ، وَقِيلَ هُوَ مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أَيْ ظَهَرَ. وَقُرَابُ الْأَرْضِ هُوَ مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا. من فوائد الحديث: بيان سعة رحمة الله سبحانه وتعالى. بيان أن الله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يدعوه ويرجوه ويطلبوا منه المغفرة. الإيمان بالله شرط في مغفرة الذنوب، فإن الله لا يغفر أن يشرك به ولا يغفر لمشرك. إذا تاب العبد من ذنوبه توبة نصوحًا غفرها الله له ولو كانت ملء الأرض أو بلغت عنان السماء. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قالت امرأة منهن: ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت: ما نقصان العقل والدين؟ قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي. رواه مسلم. تكفرن العشير، أي تجحدن حق الزوج. لذي لب، أي لصاحب عقل. من فوائد الحديث: حضّ للنساء على الصدقة وأعمال البر، والإكثار من الاستغفار وسائر الطاعات، لأنهن يقعن في كثرة اللعن وجحود حق الزوج. تحريم جحد حق الزوج وإنكاره، لأن ذلك من الكبائر، حيث استحقت فاعلته التوعد بالنار. تحريم اللعن، فإنه من المعاصي الشديدة القبيحة. إطلاق الكفر على بعض المعاصي دليل على أن الكفر نوعان: كفر أكبر وكفر أصغر. وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء يدل على اهتمام الإسلام بالمرأة. استحباب وعظ الإمام وأصحاب الولايات وكبراء الناس. جواز مراجعة العالم فيما قاله إذا لم يظهر معناه. بيان أن النساء قليلات الضبط والحفظ. العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الدين والإيمان. المرأة شديدة التأثر العاطفي، ولذلك فهي تستعمل عاطفتها أكثر من عقلها، وهذا يؤدي إلى نقصان عقلها. رياض الصالحين.