الحلقة (198) باب بيان ما أعدّ الله للمؤمنين في الجنة (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة. قال الله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ. وقال تعالى: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ، يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ. وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ، كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ. يدعون فيها بكل فاكهة آمنين، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم، فضلًا من ربك، ذلك هو الفوز العظيم. وقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ، وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس. رواه مسلم. لا يتغوطون، أي لا يذهبون للغائط لقضاء حوائجهم. لا يمتخطون، أي لا يسيل شيء من أنوفهم. جشاء، أي يخرج منهم بالتجشؤ، وهو تنفس المعدة دون رائحة كريهة. كرشح المسك، أي يرشح من أجسامهم رشحًا طيب الرائحة كالمسك، كما يلهمون النفس، أي يأتون بالذكر والتسبيح من غير تكلف كتنفسهم. من فوائد الحديث: نعيم الجنة دائم لا ينقطع. طعام أهل الجنة وشرابهم خالٍ من الآفات والعيوب التي يقتضيها طعام أهل الأرض من إخراج الفضلات والروائح الكريهة. أهل الجنة يتلذذون بذكر الله وتسبيحه، ولا يجدون في ذلك مشقة ولا كلفة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون. متفق عليه. من فوائد الحديث: بيان أن الله لم يطلعنا في كتابه وسنة رسوله على كل ما في الجنة، وأن ما لم نعلمه أعظم مما علمناه. أهل الجنة يجدون فيها من المسرات العظيمة الخالية من الهم والغم والحزن. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، عود الطيب، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء. متفق عليه. وفي رواية للبخاري ومسلم: آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا. قوله: على خلق رجل واحد، رواه بعضهم بفتح الخاء وإسكان اللام، وبعضهم بضمهما، وكلاهما صحيح. الزمرة: أي الجماعة. كوكب دري في السماء: أي النجم الشديد الإضاءة. لا يتفلون: أي لا يبصقون. رشحهم: أي عرقهم. من فوائد الحديث: قلوب أهل الجنة طاهرة من مذموم الأخلاق، فلا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا حسد ولا شحناء. أهل الجنة متساوون في الخِلقة، فكلهم على صورة أبيهم آدم وطوله. أهل الجنة منشغلون بنعيمها، يُلهمون التسبيح والذكر بكرةً وعشيًّا، كما يُلهمون النفس. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سأل موسى صلى الله عليه وسلم ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فيقول في الخامسة: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. رواه مسلم. من فوائد الحديث: منازل أهل الجنة متفاوتة الدرجات. أدنى أهل الجنة منزلة له أضعاف ملك الدنيا. بيان عظيم كرم الله سبحانه وتعالى، وأن خزائنه ملأ لا تنفد. إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى. رياض الصالحين.